كاتب ومقالكلمتها

ما وراء الصمت.. حين تتكلم المرأة بلا كلمات

بقلم: وفاء حسن

في العلاقات العاطفية، لا يكون الكلام دائمًا هو اللغة الوحيدة للتعبير، كما أن الصمت ليس فراغًا خاليًا من المعنى. وحين تصمت المرأة داخل العلاقة، فإن الأمر غالبًا يتجاوز مجرد امتناع عن الحديث، ليصبح رسالة نفسية مركّبة تحتاج إلى قراءة متأنية. فالصمت، في كثير من الأحيان، ليس انسحابًا مفاجئًا بقدر ما هو لحظة امتلاء داخلي بالكلمات التي لم تعد تجد جدوى في الخروج.

المرأة بطبيعتها تميل إلى التعبير، وتجد في الحوار مساحة للأمان والتقارب. لذلك فإن انتقالها من الكلام إلى الصمت لا يحدث عادة بلا سبب. إنه تحوّل تدريجي يبدأ حين تشعر بأن صوتها لا يُسمع كما ينبغي، أو أن مشاعرها تُقابل بالتقليل أو السخرية أو التجاهل. عندها يصبح الصمت وسيلة دفاع نفسي، لا رغبة في القطيعة. هو محاولة لحماية ما تبقى من كرامة الشعور، بعد أن استُنزفت محاولات الشرح والتوضيح.

في علم النفس العاطفي، يُنظر إلى الصمت أحيانًا بوصفه علامة على الانسحاب الوجداني. والانسحاب هنا لا يعني انتهاء الحب بالضرورة، بل يعني تراجع الحماس للاستمرار في صراع غير متكافئ. حين تشعر المرأة أن حديثها لا يغير شيئًا، وأن تكرار الشكوى يضعها في موضع الاتهام أو المبالغة، فإنها قد تختار التراجع خطوة إلى الداخل. هذا الداخل يصبح مساحة آمنة تفكر فيها، وتعيد تقييم العلاقة، وربما تعيد تقييم ذاتها داخلها.

غير أن الصمت ليس دائمًا مؤشرًا على البرود أو الرغبة في الرحيل. أحيانًا يكون لحظة مراجعة عميقة، أو تعبيرًا عن ألم لم ينضج بعد في كلمات واضحة. بعض المشاعر، خصوصًا الخذلان أو الإحباط المتراكم، تحتاج إلى وقت قبل أن تتحول إلى جمل مفهومة. وفي هذه المساحة الرمادية بين الشعور والتعبير، تسكن المرأة صمتها، لا لأنها لا تريد الحديث، بل لأنها لم تعد تعرف كيف تُقال الأشياء دون أن تُساء قراءتها.

هناك أيضًا نوع آخر من الصمت، أكثر خطورة، وهو الصمت الذي يأتي بعد أن تنطفئ الرغبة في التفسير. في بدايات الخلاف، تحاول المرأة أن تشرح، أن تناقش، أن تعترض. لكن حين يتكرر الشعور بعدم الفهم، قد يتحول الجهد إلى لا مبالاة ظاهرية. هذا التحول لا يحدث فجأة، بل هو نتيجة تراكمات صغيرة لم يُنتبه إليها. وحين يصل الأمر إلى هذه المرحلة، يصبح الصمت إعلانًا غير مباشر عن مسافة بدأت تتسع.

من منظور أعمق، يمكن القول إن صمت المرأة يعكس علاقتها بالأمان داخل الارتباط. فحيث يوجد أمان نفسي، يكون التعبير أسهل، حتى لو كان مؤلمًا. أما حين يتراجع هذا الأمان، فإن النفس تميل إلى الانكماش. الصمت هنا ليس عقابًا للآخر، بل حماية للذات من مزيد من الخيبة أو سوء الفهم.

القراءة السطحية قد تفسر صمت المرأة بوصفه لعبة ضغط أو وسيلة للسيطرة، لكن القراءة النفسية الأكثر إنصافًا ترى فيه إشارة تحتاج إلى انتباه. فبدل السؤال: لماذا لا تتكلم؟ ربما يكون الأجدر أن يُسأل: ماذا حدث حتى لم تعد ترغب في الكلام؟ الفارق بين السؤالين هو الفارق بين الاتهام والفهم.

في نهاية الأمر، الصمت ليس دائمًا نهاية العلاقة، لكنه قد يكون جرس إنذار مبكرًا. إنه مساحة معلّقة بين الرغبة في الاستمرار والخوف من الاستنزاف. وحين تُمنح هذه المساحة حقها من الإصغاء والاحتواء، يمكن للكلمات أن تعود، لا بوصفها جدلًا، بل جسورًا جديدة للفهم. أما إذا أُهمل الصمت، فقد يتحول من لحظة عابرة إلى لغة دائمة، وعندها لا يكون ما غاب هو الصوت فقط، بل الرابط الذي كان يمنحه معنى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى