
دائمًا ما نميل إلى طرح أسئلة افتراضية نعلم استحالتها، ولكن نحاول من خلالها التعرف على الأفعال وردودها مع اختلاف الظروف عبر السنوات، من هذه الأسئلة سؤال عن ماذا لو كانت حرب أكتوبر 1973 حدثت في عصر لاحق ممتلئ بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأقمار الصناعية وغيرها من التقنيات الحديثة، والتي كانت إرهاصات بعضها قد استخدمت بالفعل قبل وأثناء تلك الحرب المجيدة التي حققت فيها مصر نصرًا مبينًا أعاد موازين القوى إلى نصابها الصحيح، وغير الكثير من القواعد والعلوم العسكرية التي استقرت قبل الحرب بعقود.
السؤال له أهمية أخرى، فهو يأتي في وقت تعاظم فيه استخدام التكنولوجيا الحديثة في الأسلحة والمعدات وصولًا إلى الأسلحة المستقلة التي تعتمد على نماذج وخوارزميات الذكاء الاصطناعي في جميع وتحليل البيانات والمستجدات وتحديد الأهداف والأولويات وأساليب الهجوم، ولا تكتفي بذلك وحسب، بل تنتقل أيضًا إلى مرحلة الفعل دون الرجوع إلى البشر.
وهنا أريد أن أعود إلى أجواء ما قبل أكتوبر 1973 في العديد من الإجراءات والأنشطة التي تدخل تحت نطاق وعنوان يعرفه الجميع وهو “الخداع الاستراتيجي”، هذا الذي من شأنه إيهام العدو بأننا لن نحارب، ليس هذا وحسب، بل يمتد إلى الإيهام بأننا على قناعة بأننا لا نقدر على الحرب أيضًا. بالإضافة إلى استخدام عنصر المفاجأة كأحد مفاتيح النصر، ووجود العديد من الإجراءات خارج الصندوق مثل التغلب على الساتر الترابي من خلال الماء، واستخدام أهلنا في النوبة لتمرير الأوامر والتعليمات عبر أجهزة الإشارة وغيرها الكثير مما لا تحتمله تلك المساحة الصغيرة.
اليوم، الأمر لا يختلف كثيرًا، فالإنسان هو الأصل وحوله تدور كل التقنيات والأدوات، ولذلك فهو أقوى حلقات السلسلة وأضعفها في نفس الوقت، يكون أقواها عندما يسيطر على تلك التقنيات ويستخدمها، ويستمر متمتعًا بقدراته العقلية والنفسية، والقدرة على التحرك والمراوغة والإقدام. ويكون أضعفها عندما يتنازل عن عقله أو تفتر عزيمته أو يصيبه الرعب أو التردد، لذلك فمهما بلغت التقنيات مبلغها من التقدم والتطور، فإن خداعها ليس بالأمر المستحيل، فهي لا تعرف ما يدور في العقول ولا تعرف النوايا، بالإضافة إلى أن تلك الأنظمة الفنية عرضة للإتلاف أو الاختراقات السيبرانية، وحتى أنظمة الذكاء الاصطناعي تتعرض لما يطلق عليه “تسميم البيانات” (Data Poisoning) وغيرها من التقنيات والأدوات والحيل التي تجعل الغلبة للإنسان وعقله الذي وهبه إياه المولى عز وجل.
ومهما كثرت تلك الأدوات، الحقيقة أن الخداع الاستراتيجي لا يجب أن يقتصر على فترات الحروب فحسب، فحتى في فترات السلم والهدوء، وفي الأنشطة السلمية، نحتاج إلى أن نتحلى بقدر كبير من تلك الخواص وتلك الأنشطة لكي لا نقع تحت سيطرة نماذج وخوارزميات الذكاء الاصطناعي أو أدوات المراقبة والتتبع، تلك التي لن تعاملنا معها بسلامة نية، ستقوم بالسيطرة علينا دون أن ندري وتقودنا حيثما تريد، حتى وإن كنا نمسك بمقود القيادة، أو هكذا نتصور.




