كاتب ومقال

ظاهره الاهتمام وباطنه غيرة عشق

ليس الحب كاملا إلا إذا اعتراه بعض القلق، فالغيرة ظله الذي يمشي معه أينما ذهب. لكن ثمّة غيرة لا تصرخ ولا تكسر، غيرة تلبس ثوب الاهتمام وتمشي بين الناس بوقار كاذب. هي تلك التي تقول “انتبه على نفسك” ويقصد صاحبها “انتبه أن تضيع مني”. غيرة إيجابية في ظاهرها، موجعة في باطنها، لأنها تولد من حب كبير تجاوز حدود المنطق فصار القلب يحرس قبل العقل.

حين يحب الإنسان بحق يختل توازنه الداخلي قليلا. يصبح عقله يعرف أن الحياة فيها أصدقاء ومسافات وضحك لا يعنيه، بينما يصرّ قلبه على أن كل تفصيلة خارجة عنه خسارة له. فيحدث تصادم صامت بين المنطق والوجدان، فينتصر الوجدان في صورة نصيحة. يقول “هذا الشخص لا يريحني” وهو يقصد “أنا أخاف أن يأخذ مكانك في قلبك”. يقول “لا تتأخري” وهو يقصد “الدقائق التي تغيبينها عني ثقيلة على صدري”. يقول “قلقت عليك” وهو يقصد “تخيلت عالماً بلا وجودك فاختنقت”. هكذا تسلب الغيرة التوازن بعض الوقت، فتحول العاقل إلى محلل، والواثق إلى مترقب، والقوي إلى من يفتش في الملامح عن إشارة طمأنينة.

غيرة الرجل عند الحب عميقة وصامتة، لأنها مرتبطة بمعنى السيادة والحماية في لاوعيه. هو لا يغار على الجسد فقط، بل يغار على المعنى. يغار أن يضحك أحد غيره، أن يحكي له أحد سرك، أن تكون أولويتك لغيره. غيرته دفاع عن صورة الذات: “إذا فقدتها فقدت جزءاً من رجولتي”. لذلك لا يعلنها. يكتمها تحت قناع المسؤولية. يراقب، يسأل أسئلة عابرة، يحضر أكثر، ينسحب قليلاً ليختبر خوفك من غيابه. هو لا يريد أن يبدو ضعيفاً، فيخفي ارتعاشه خلف “أنا أخاف عليك” و”أنا أريد مصلحتك”. وبينما هو يفعل ذلك يستهلك طاقة نفسية هائلة في كبت القلق، حتى يبدو هادئاً بينما داخله ساحة معركة.

أما غيرة المرأة فهي من نوع آخر، لأنها مرتبطة بالأمان العاطفي. هي لا تغار على الملكية بقدر ما تغار على المكانة. تخاف أن تصبح عادية، أن يعتادها، أن يرى في غيرها ما لم يعد يراه فيها. لذلك تمتلك جهاز إنذار دقيقا يلتقط نبرة، تأخر رد، إعجاباً، نظرة. غيرتها ليست اتهاماً، هي محاولة لاستعادة القرب. فتسأل، تعاتب، تقدم نصائح، تصنع مواقف صغيرة لتقيس بها: هل ما زلت مهما؟ هل ما زلت أرى في عينيك؟ هي تغار لأنها استثمرت قلبها كله في هذا الحب، والخسارة عنده تعني انهيار عالم داخلي بنته ببطء.

فأيهما أعمق؟ الرجل يغار على “أن تكون له”، والمرأة تغار على “أن يبقى لها”. غيرة الرجل أرضية، صلبة، إذا تحركت هزّت. وغيرة المرأة مائية، تتسرب إلى أدق الشقوق فتبلل كل شيء. لا أحد أقوى. كلاهما يغرق، لكن بطريقته. وكلاهما يدفع ثمن الحب الكبير الذي يفرض عليه ما لم يكن يتخيله: الشك مع الثقة، الخوف مع الأمان، المنطق مع الاندفاع.

وفي عمق النفس، الغيرة ليست مرضاً. هي اختبار. اختبار للحد الذي بلغه الحب فينا. هي تقول: “أنت ثمين إلى الدرجة التي أخاف أن يشاركني أحد بك”. نعم هي توجع، وتسرق التوازن، وتجعلنا نقول كلاماً لا نفهمه إلا بعد أن نقوله. لكنها أيضاً الدليل الحي أن هناك من يراك وطناً، ويخشى أن يسكنه الغرباء.

“الغيرة ليست دليلا على أنك لا تثق به… الغيرة دليل على أنك تثق جدا بحبك له، لدرجة أن فكرة فقده وحدها كافية أن تهز يقينك بالعالم كله”

بقلم: د. محمود علام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى