كاتب ومقال

روايات عربية| أرض عبد الرحمن الشرقاوي المأساة الملحمية

السياق التاريخي والاجتماعي

صدرت رواية الأرض عام 1954 لعبد الرحمن الشرقاوي 1920–1987، بعد ثورة يوليو 1952 بقليل،حين كان الحلم بالإصلاح الزراعي وتحرير الفلاح يملأ الأجواء، وحين كانت مسألة الأرض تعادل مسألة الوجود.،ينتمي عبد الرحمن الشرقاوي الأديب والمسرحي المصري إلىجيل الحداثة الواقعية في الأدب العربي، وهو الجيل الذي آمن بأنالأدب أداةٌ للتغيير الاجتماعي لا مجرد وسيلة للتعبير الجمالي. لم يكتب الشرقاوي رواية قروية بالمعنى الفولكلوري الساذج، بل كتبملحمة اجتماعية تحفر عميقا في العلاقات الطبقية وتفضح آليات القهرالمتشابكة: الإقطاع والاستعمار والبيروقراطية في بنية واحدة متماسكة..

ملخص أحداث الرواية

تدور أحداث الرواية في قرية مصرية في النصف الأول من القرن العشرين، إبان الاحتلال الإنجليزي ل مصر. حيث أراد الإنجليزتوسيع الطريق المار بأراضي الفلاحين، وهو مشروع يعني نزعملكيتهم من الأرض التي يعيشون عليها ومنها وبها. يقف في مواجهةهذا المخطط محمد أبو سويلم، الفلاح الستيني الذي تجسّد فيه كبرياءالأرض ومعنى الانتماء إليها. لا يرفض أبو سويلم التنازل عن قطعةأرض فحسب، بل يرفض منطقاً كاملاً يرى في الإنسان البسيط مجردرقم قابل للمحو. يلتف حوله فلاحو القرية، وتنشأ جبهة صمود جماعيةفي مواجهة ثلاثة أعداء مندمجين: الباشا الإقطاعي الذي يرى في المشروع فرصة للتوسع، والسلطة المحلية التي تنفذ أوامر المحتل، والمحتل الإنجليزي الذي يملي الإرادة على الجميع.

تتصاعد الأحداث عبر مواجهات متعاقبة تكشف تدريجياً كيف تتآكل الجبهة الشعبية تحت ضغط الإغراء والترهيب والانتهازية، حتى ينتهي أبو سويلم إلى هزيمة جسدية مؤلمة: يُجرَّد من أرضه ويُذل أمام أهل القرية. غير أن الرواية لا تنتهي بالسقوط، بل بومضة وعي: الهزيمة نفسها تُولّد إدراكاً أعمق بطبيعة الصراع الطبقي وضرورة التضامن الجماعي.

البنية الفنية

اعتمد الشرقاوي بنيةً خطية متصاعدة الدرامية تتبع منطق التراجيدياالكلاسيكية: تأسيس، تصعيد، ذروة، انفراج مأساوي. غير أنه أثر ىهذا الهيكل الخطي بتقنية الكورال الجماعي (علينا أن لا ننسى تأثر الشرقاوي بالمسرح الاغريقي)، إذ لا يكتفي بصوت البطل بل يفسح المجال لأصوات الجماعة: الفلاح الخائف، والمرأة الصامدة، والانتهازي المتذبذب، والشيخ الراسخ. هذا التعدد الصوتي هوما يمنح النص طابع الملحمة لا مجرد القصة الفردية.، وهذا مادفعنا من البداية لمحاولة التفسير الأسطوري لما قام به الشرقاوي في هذا العمل.

تنقسم شخصيات الرواية إلى حزمتين وظيفيتين متقابلتين لا تنحدرانإلى ثنائية ساذجة. أبو سويلم ليس بطلاً نقياً بلا عيب، بل إنسانتعتريه لحظات الشك والإرهاق. والمخبر المتعاون مع السلطة ليس شيطاناً مسطحاً، بل ضحية لمنطق القهر الذي حوّله إلى أداة قمعهالخاص. هذا العمق النفسي هو ما يميز الشرقاوي عن كثير من الواقعيين الأيديولوجيين في عصره.، يضاف إلى ذلك أن الشرقاوي كتب العمل بلغة عربية تجمع بين فصاحة السرد ورهافة الوصف وعاميةالحوار المُعرَّبة. لم يقتحم العامية المصرية الخام بل أدخلها مُصفَّاةً في ثنايا الحوار، مما أعطى النص واقعية حية دون أن يُقلّص جمهوره. وصف الأرض والفضاء القروي عنده شاعري بالمعنى الدقيق: الأرض ليست خلفية للأحداث بل شخصية حاضرة. 

الدلالات الرمزية والأبعاد الفكرية

الأرض بوصفها بنية رمزية مركّبة: لا تُقرأ رواية الأرض  كملكيةاقتصادية فحسب، بل إنها في الوقت ذاته تمثل الهوية الحضاريةللفلاح المصري الممتدة آلاف السنين، والكرامة الإنسانية التي لا تُعوَّض بثمن، والوطن ما قبل السياسي. بمعناه الأعمق حين يُنزع من أبو سويلم حقه في الأرض، لا تُسلَب منه ملكية مادية بل يُسلَب وجوده.

نيشتغل النص على ثلاثة مستويات نقدية متراكبة: نقد الاستعمارالخارجي في شخصية المحتل الإنجليزي، ونقد الإقطاع الداخلي في شخصية الباشا، ونقد الطبقة الوسطى المتذبذبة التي تبدل ولاءها وفقالمصلحة. هذا الثلاثي يجعل الرواية تحليلاً طبقياً بالغ الدقة لا مجردقصة مظلومية.

البذرة والوعي: تنتهي الرواية بهزيمة ظاهرة وانتصار خفي. ما يبدوسقوطاً لأبو سويلم هو في الحقيقة بداية وعي طبقي جمعي في القرية. إنها النهاية البريختية بامتياز: لا بطولة فردية ستنقذ الموقف، بل التضامن الجماعي هو الأفق الوحيد للمقاومة.

خامساً: موقع الرواية في المشهد الأدبي العربي

تُعدّ الأرض من أمهات الرواية الواقعية الاجتماعية في التراث العربي الحديث، وتُصنَّف إلى جانب زقاق المدق لنجيب محفوظ وموسم الهجرةإلى الشمال للطيب صالح في مرجعيات السرد العربي الكبير. وقدحوّلها المخرج يوسف شاهين إلى فيلم سينمائي عام 1969 والذي يُعدمن أعمدة السينما المصرية، مما وسّع من دائرة تأثيرها.

ما يجعل الرواية راسخة الحضور حتى اليوم هو أنها لا تتحدث عن ماضٍ منقضٍ بل عن بنى قهر قابلة للتجديد في أي سياق. الأرض التي يُجرَّد منها الفلاح في مصر 1930 هي ذاتها الأرض التي يُجرَّد منها الإنسان في أشكال متجددة من الاستلاب الاقتصادي والسياسي في كل زمان.

خاتمة القراءة النقدية

تقف رواية الأرض في مقاطعة أدبية نادرة: إنها في الوقت ذاته وثيقة تاريخية واجتماعية، وعمل فني محكم، ومشروع فكري يسأل بإلحاحعن معنى الانتماء وطبيعة القهر وإمكانية المقاومة. الشرقاوي لم يكتب رواية عن الفلاحين فحسب، بل كتب رواية عن الإنسان حين يجابَه بسؤال الوجود في أكثر صيغه حدةً: ماذا يبقى حين تُسلَب منك الأرض التي أنتَ منها؟

بقلم:

د. زين عبد الهادي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى