
في كل عام، يحتفي العالم بـاليوم العالمي لحرية الصحافة، ذلك اليوم الذي لا يمر كذكرى عابرة، بل كوقفة تأمل في معنى الكلمة وقيمتها، وفي الدور الذي تؤديه الصحافة بوصفها سلطة رقابية وضميرًا حيًا للمجتمع. فالصحافة لم تكن يومًا مجرد نقلٍ للأخبار، بل كانت – ولا تزال – معركة يومية من أجل الحقيقة.
وتُوصَف الصحافة بأنها “السلطة الرابعة” في الدولة، إلى جانب السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، لما لها من دور حيوي في مراقبة الأداء العام، وكشف الفساد، وتوجيه الرأي العام. فهي عين المجتمع التي ترصد، وصوته الذي يُحاسب، ومنبره الذي يُعبّر عن تطلعاته وآماله، مما يجعلها ركيزة أساسية في بناء أي نظام ديمقراطي حقيقي.
منذ نشأتها، ارتبطت الصحافة بالحرية، حتى قال الكاتب والصحفي المصري مصطفى أمين:
“الصحافة مهنة البحث عن المتاعب”، وهي عبارة تختصر جوهر هذه المهنة؛ فليس الطريق إلى الحقيقة مفروشًا بالورود، بل تحيط به التحديات والضغوط، ويحتاج إلى شجاعة لا تقل عن شجاعة المقاتلين في ساحات القتال.
وعلى خطى الرواد، جاء شقيقه علي أمين ليؤكد أن الصحافة ليست مجرد حرفة، بل رسالة، حين قال:
“الصحفي الحقيقي هو الذي يكتب ما يجب أن يُكتب، لا ما يُطلب منه أن يكتب”، في إشارة واضحة إلى استقلالية الكلمة ورفض الخضوع لأي سلطة سوى ضمير المهنة.
أما الأديب الكبير محمد حسنين هيكل، أحد أبرز أعمدة الصحافة العربية في القرن العشرين، فقد رأى أن الصحافة هي “التاريخ الذي يُكتب في وقته”، وهي رؤية عميقة تؤكد أن الصحفي لا يوثق الحدث فقط، بل يصنع ذاكرة الأمم، ويمنح الأجيال القادمة مفاتيح فهم الماضي.
وإذا عدنا إلى “الزمن الجميل” للصحافة المصرية والعربية، نجد أسماءً حفرت مكانتها في وجدان القراء، مثل إحسان عبد القدوس الذي مزج بين الأدب والصحافة، وفكري أباظة الذي عُرف بأسلوبه الساخر اللاذع، وروز اليوسف التي أسست واحدة من أهم المدارس الصحفية الجريئة في العالم العربي.
هؤلاء وغيرهم لم يكونوا مجرد ناقلين للأحداث، بل صناع رأي وقادة فكر، أسهموا في تشكيل الوعي العام، وواجهوا الاستبداد بالكلمة، والظلم بالحقيقة. لقد كانت الصحافة في زمنهم مدرسة تُخرّج أجيالًا من المثقفين، لا مجرد منصة لنشر الأخبار.
وفي عصرنا الحديث، ومع تسارع التكنولوجيا وتعدد مصادر المعلومات، تواجه الصحافة تحديات غير مسبوقة، أبرزها انتشار الأخبار الزائفة، وضغوط السرعة على حساب الدقة. وهنا تتجدد الحاجة إلى القيم التي أرساها الرواد: النزاهة، والموضوعية، والالتزام بالحقيقة.
إن الاحتفال بـ”يوم الصحافة العالمي” ليس مجرد مناسبة احتفالية، بل دعوة مفتوحة لإعادة الاعتبار للكلمة الصادقة، ولحماية حرية التعبير، ولتأكيد أن الصحافة ستظل، رغم كل التحديات، صوت من لا صوت لهم، ومرآة تعكس الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون.
وفي النهاية، تبقى الصحافة رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية قبل أن تكون سلطة؛ فالكلمة قد تُنقذ أمة، وقد تُشعل وعيًا، وقد تكتب تاريخًا… والتاريخ، كما قال هيكل، لا يُكتب مرتين.



