كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| رحلتي من الفومو إلى الجومو

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

الفومو هو مصطلح ظهر لأول مرة منذ أكثر من عشرين عامًا، وتحديدًا في عام 2004، ومعناه الخوف من فوات الفرصة أو الخوف من فوات متابعة الأحداث والأخبار، ويكتب بالإنجليزية FOMO اختصارًا لـ “Fear Of Missing Out”. يشرح هذا المصطلح ظاهرة أو حالة نفسية تجعل صاحبها في حالة اضطراب وتوتر وقلق إذا ابتعد عن مصادر المعلومات والأخبار، والمقصود هنا الهواتف الذكية وما يتواجد عليها من تطبيقات ومنصات خاصة بالأخبار أو من خلال صفحات تطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة.

كانت هذه الحالة موجودة لدى البعض، ولكن بصورة أقل حدة في عصور ما قبل شبكات المعلومات، حينما كانت الأخبار تأتي عبر نشرات الأخبار في التلفاز أو الراديو، أو من خلال الجرائد الصباحية أو المسائية أو المجلات المتخصصة. كانت تجعل صاحبها يهرع إلى جهاز التلفاز أو الراديو لمتابعة الأخبار، ويستيقظ مبكرًا ليرتدي ملابسه ويسرع إلى باعة الجرائد للحصول على صحف اليوم قبل الجميع.

تفاقمت هذه الحالة مع زيادة استخدام وانتشار شبكات التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت الأخبار والأفكار والحكايات ليست فقط من صنع وكالات الأنباء والمؤسسات الصحفية، بل أصبحت تأتي على لسان جميع المستخدمين، من شخصيات مؤثرة ومعروفة إلى أشخاص عاديين. وصولًا إلى أخبار قد ينشرها مارة وعابري سبيل تصادف مرورهم في الطرقات أثناء أو بعد حدوث موقف عادي أو غريب أو صادم. فما يكون عليهم إلا فتح كاميرات الهواتف وتصوير الموقف ونشره، فيصل إلى الملايين في ثوانٍ معدودة.

هذا الأمر تطور مؤخرًا، بحيث أصبح الكثير من الأخبار والمنشورات يتم توليدها بالكامل من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي التي باتت متقدمة جدًا بصورة تجعل من الصعوبة بمكان التفرقة بين الحقيقة والخيال. هذه الهستيريا أقضت مضاجع الجميع. فالنوم أصبح متقطعًا، فبين الغفوة والتي تليها نجد صحوة يحمل فيها المستخدم هاتفه متجولًا بين الصفحات والمواقع ومقاطع الفيديو لمتابعة ما حدث في محيطه وفي دولته وإقليمه وكذا على مستوى العالم، وذلك خلال الساعة ونصف الساعة التي لم يسعفه جسده فيها بالانتباه، وخذله وذهب في سبات غير عميق.

هذا الإدمان يزداد، والخوف من الفقد يزيد مع الوقت. يزداد الالتصاق بالأجهزة، ويزداد الانفصال عن العالم التقليدي، ويبقى المستخدم يتنقل بين المنشورات بلا هدف أو نهاية واضحة. وفي تقديري، فإن كل مستخدمي شبكات التواصل الاجتماعي مصابون بهذا المرض بدرجة أو بأخرى.

إذا ما الحل؟، تحدثنا كثيرًا وشاهدنا العديد من الأنشطة والجهود التي تتحدث عن ضرورة التقنين والتنظيم، ومن قبل ذلك ضرورة الانتقاء. فليس كل الأخبار مهمة، ولا كل المجالات يتحتم علينا الإلمام بأخبارها وتفاصيلها. وضعت العديد من الاستراتيجيات والتكتيكات والإجراءات للحد من هذا الشعور وللحد من الالتصاق المحموم، وهو ما ينجح نوعًا ما في الأيام الأولى، ثم ما تلبث الأمور أن تعود إلى سابق عهدها أو إلى عهد أسوأ من السابق أيضًا.

نتيجة لذلك، ظهر منذ سنوات قليلة مصطلح آخر كرد فعل عكسي يسمى “جومو”، ومعناه متعة فوات الفرصة أو متعة فوات متابعة الأحداث والأخبار، ويكتب بالإنجليزية JOMO اختصارًا لـ “Joy Of Missing Out”. وهو مهارة تتطلب الكثير من الخطوات والإجراءات والمفاهيم. أولًا، ألا تشعر بالخجل نتيجة جهل بالأحداث والأخبار، أو على الأقل آخر الأخبار. ثانيًا، أن تتوقف عن سؤال الآخرين عما لا تعرفه من الأخبار. باختصار، ستتحول إلى إنسان يستمتع بالجهل بما يزيد عن 90% من الأخبار والمنشورات والنقاشات والصراعات والجدل والصور ومقاطع الفيديو المنتشرة عبر الشبكات.

لن تكون على دراية بأن طفلًا قد فقد حقيبته المدرسية، وأن أمه قد ناشدت المسؤولين لإعادة الحقيبة، وأن البعض استغل سمنة الطفل للادعاء بأنه قد استبدل الحقيبة عن طيب خاطر بسندوتش لانشون كبير. قبل أن تجد بعض الصحفيين في منزل الطفل، الذي تنكر والدته أنه يحب اللانشون، فيما يطلب الطفل اقتناء “عجلة”، أو تنتقل إلى صفحة أخرى فتجد نفس الطفل في مطعم شهير يجلس في صدارة المشهد في عظمة تضارع ولي النعم محمد علي باشا. ثم تنتقل بعد ذلك إلى معركة بين أنصار فريقين لكرة القدم، قبل أن تعود إلى صفحة تنعى وفاة نجم أو مطرب، قبل أن تقوم صفحة أخرى بتكذيب الخبر.

لن أستفيض في الحديث عن التفاهات التي نخاف فقدها، ولكن دعونا نجرب متعة فوات الأخبار، أو فلنقل متعة ونعيم الجهل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى