كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| قمة البريكس الأخيرة.. ما موقع القاهرة في معادلة الاقتصاد البديل؟

لم تعد قمة “البريكس” مجرد اجتماع لدول تبحث عن مصالح مشتركة ، بل باتت عنوانا لتحولات كبرى في الاقتصاد والسياسة العالمية. فالعالم يشهد اليوم صراعا مفتوحا بين نظام دولي تقوده الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية وبين نظام آخر يتشكل تدريجيا ، تحاول قوى ناشئة من خلاله كسر احتكار الغرب لمفاصل الاقتصاد والمال والسياسة. وفي قلب هذا المشهد المتغير تقف القاهرة لتسأل: ما موقعها في هذه المعادلة الجديدة؟ وهل يمكن أن يكون البريكس هو البوابة التي تعبر منها مصر نحو دور اقتصادي أكثر استقلالًا وفاعلية؟

من يتأمل القمة الأخيرة للبريكس يجد أنها لم تعد محصورة في مجموعة صغيرة من الدول (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا)، بل توسعت لتشمل قوى إقليمية مؤثرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بينها دول عربية وخليجية. هذا التوسع يعكس إدراكًا متزايدًا بأن الاقتصاد العالمي لم يعد يحتمل أن يكون رهينة لعملة واحدة أو قطب واحد. وهنا تأتي أهمية مصر: دولة مركزية ذات سوق ضخم وموقع استراتيجي على ممرات التجارة والطاقة وبنية اقتصادية تبحث عن بدائل للضغوط الدولية وتقلبات الدولار.

منذ عقود ظل الدولار الأمريكي هو عصب التجارة الدولية لكن التطورات الأخيرة – من العقوبات على روسيا إلى الحرب التجارية بين واشنطن وبكين – كشفت هشاشة الاعتماد على عملة واحدة. البريكس تتحرك في اتجاه خلق نظام مدفوعات بديل واستخدام العملات المحلية في التبادل التجاري بين أعضائها وهو ما يتقاطع مع مسار بدأت مصر في اختباره مؤخرا عبر التعامل باليوان الصيني والاتجاه نحو تنويع أدواتها المالية. وفي هذا السياق تبدو القاهرة أقرب إلى موقع “المستفيد الاستراتيجي”: فهي لا تسعى إلى استبدال الدولار بشكل كامل لكنها تريد أن تضع لنفسها هامش مناورة أكبر في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية.

الأمر الأهم أن البريكس ليست مجرد منصة مالية بل هي أيضا منصة سياسية. فالتكتل يسعى إلى إعادة تشكيل قواعد اللعبة الدولية من خلال تعزيز التوازن بين الشرق والغرب والبحث عن حلول جماعية لمشاكل التنمية والفقر والديون. وهنا يمكن لمصر أن تقدم نفسها باعتبارها دولة “جسر” بين أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وقادرة على أن تكون شريكا محوريا في مبادرات البريكس المتعلقة بالبنية التحتية والطاقة المتجددة والتكنولوجيا.

لكن الانضمام إلى معادلة “الاقتصاد البديل” ليس مجرد شعار بل يحتاج إلى رؤية متكاملة. فمصر مطالبة بأن تطور صناعاتها الوطنية وتعزز قدراتها التصديرية وتعمل على جذب استثمارات نوعية من دول البريكس بدلا من أن تكون مجرد سوق استهلاكي للمنتجات القادمة من الشرق. هذه النقلة تتطلب إرادة سياسية وخططًا اقتصادية طويلة الأمد وربطا أوثق بين القطاع الخاص والقطاع العام بحيث يصبح الاندماج في منظومة البريكس فرصة لتغيير قواعد الاقتصاد المحلي وليس فقط تنويع الشركاء.

قمة البريكس الأخيرة حملت أيضا رسائل عن إعادة توزيع القوة العالمية. فالصين تسعى لتثبيت نفوذها كقوة مالية وتجارية أولى وروسيا تبحث عن منافذ جديدة بعد العقوبات الغربية والهند تريد أن توازن بين علاقاتها بالغرب ومصالحها مع الشرق والبرازيل وجنوب أفريقيا تحاولان أن تعيدا تموضعهما في النظام الدولي. وسط هذه التناقضات تبدو مصر في موقع فريد: ليست منحازة كليا إلى الغرب ولا إلى الشرق بل تحاول أن تمسك بخيوط متعددة في وقت واحد مستفيدة من تاريخها الدبلوماسي وقدرتها على لعب دور “الموازن” في الأزمات.

القاهرة تعرف أن البريكس ليست بديلا كاملا عن المؤسسات المالية الدولية لكنها في الوقت نفسه ترى فيها فرصة لكسر الجمود. فالتكتل يطرح فكرة “بنك التنمية الجديد” كأداة لتمويل مشروعات البنية التحتية في الدول الأعضاء بعيدا عن شروط المؤسسات التقليدية مثل صندوق النقد والبنك الدولي. وإذا استطاعت مصر أن تطرق هذا الباب بذكاء فقد تجد تمويلا أكثر مرونة لمشروعاتها القومية الكبرى وفي الوقت نفسه تعزز استقلال قرارها الاقتصادي.

التحدي الحقيقي أمام القاهرة هو أن تتحول من “مراقب” إلى “فاعل”. فالتاريخ يعلمنا أن التكتلات الدولية لا تمنح المقاعد مجانا بل تعطي الفرص لمن يملك رؤية وقدرة على التنفيذ. وإذا أرادت مصر أن تضع نفسها في قلب معادلة الاقتصاد البديل فعليها أن تقدم مبادرات ملموسة: ممرات لوجستية تربط أفريقيا بآسيا عبر قناة السويس شراكات في الطاقة المتجددة منصات للتكنولوجيا المالية ومراكز إقليمية للتجارة والاستثمار. هذه هي اللغة التي يفهمها البريكس وهي أيضا اللغة التي يحتاجها الاقتصاد المصري في هذه المرحلة.

يبقى السؤال: هل تستطيع القاهرة أن توازن بين علاقاتها بالغرب وانخراطها في تكتل مثل البريكس؟ الإجابة ليست سهلة لكنها ممكنة. فمصر تاريخيا لعبت أدوارا مشابهة منذ حركة عدم الانحياز وحتى مبادرات الشراكة الأوروبية المتوسطية. قوتها دائما كانت في قدرتها على أن تقول: “نعم للشرق ونعم للغرب لكن وفق أولوياتنا الوطنية”. وهذا بالضبط ما تحتاجه المرحلة الراهنة: أن يكون الانفتاح على البريكس جزءا من استراتيجية شاملة لتنويع الخيارات لا مجرد رد فعل على ضغوط اللحظة.

إن معادلة الاقتصاد البديل لا تُبنى بين يوم وليلة لكنها مسار طويل يحتاج إلى صبر وتخطيط. وإذا كانت القاهرة قد اختارت أن تسلك هذا الطريق فعليها أن تستثمر في عناصر قوتها: الموقع الجغرافي، الكثافة السكانية، الإرث التاريخي، والقدرة على أن تكون “دولة مركز” في كل معادلة إقليمية. البريكس ليست نهاية المطاف لكنها خطوة كبيرة في رحلة إعادة التوازن إلى الاقتصاد العالمي ومصر قادرة على أن تجعل منها منصة لانطلاقة جديدة إذا أحسنت استثمار الفرصة.

وفي النهاية قد لا تكون القمة الأخيرة للبريكس سوى واحدة من محطات كثيرة في مسار إعادة تشكيل العالم لكنها محطة تكفي لتؤكد أن النظام الدولي لم يعد حكرا على قوة واحدة. وإذا كانت القاهرة قادرة على أن تجد لنفسها موقعا في هذه الخريطة الجديدة فإنها لن تكون فقط شريكا في الاقتصاد البديل بل ستكون أيضا صانعة لمستقبل أكثر توازنا وعدلا في الإقليم والعالم.

بقلم:
شحاتة زكريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى