
أفادت دراسة حديثة أجراها مختبر الإعلام في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن “الاعتماد المُفرط على الحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي” قد يُساهم في “ضمور معرفي” وتراجع قدرات التفكير النقدي. فهل يبدو الأمر مفاجئًا؟
في الحقيقة، لا أعتقد ذلك. فالشخص الخبير في مجال ما، عندما يُفرط في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي، يشعر بعد فترة بأن قدراته العقلية تتراجع. هذا التراجع يبدأ على شكل نوع من أنواع الكسل الذهني، ثم ما يلبث أن يتحول إلى ضمور حقيقي.
وربما لا يشعر أصحاب المهارات البسيطة والمتوسطة بنفس الشعور، أو بذات المعدل الزمني، وربما لن يشعروا به على الإطلاق! فهم يتحولون مع الوقت إلى مجرد أدوات بشرية تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي لتوليد سياقات ومحتوى يبدو جيدًا في ظاهره — يعتمد فقط على أسلوب صياغة الأوامر وقوة النموذج المتاحة. ومع مرور الوقت، ينسى هؤلاء ما طلبوه وما قدموه على المدى القصير، وعلى المدى الطويل، يكمن الخطر في تراجع مهاراتهم العقلية العليا؛ من رصد وتحليل ومقارنة وتقدير واختيار للمنهجيات، ليتحول العقل إلى ممر إجرائي ميكانيكي لإعطاء إشارات استجابة فقط، بدلاً من كونه محركًا للتفكير.
نرى حاليًا نسبة كبيرة من الطلاب تستخدم الذكاء الاصطناعي دون فهم جيد لكيفية عمله، مما يؤدي إلى ثقة مفرطة وعمياء في نتائجه. لذا، بات من الضروري تعليمهم التفكير النقدي والتمييز في كيفية استخدام هذه الأدوات وفحص ما تقدمه. والأهم من ذلك هو مساعدتهم على فهم كيفية عمل عقولهم البشرية ومدى قوتها الكامنة عند تشغيلها. فالذكاء الاصطناعي يعتمد في النهاية على نظرية الاحتمالات وعلم الإحصاء في تحليل البيانات وصياغة الردود والاقتراحات، بينما يتفوق الإنسان —أو هكذا يجب أن يكون— على أي قالب إحصائي بما يمتلكه من خيال وإبداع وقدرة على التفكير خارج الصندوق وخارج المعتاد.
على سبيل المثال، في رياضة القفز العالي (High Jump)، كان الرياضي الأمريكي “ديك فوسبري” هو أول من روّج لتقنية القفز للخلف — المعروفة الآن باسم “قفزة فوسبري”. وقد كشف النقاب عن هذه القفزة الثورية التي يقوم فيها بالالتفاف والقفز بالظهر أولاً خلال دورة الألعاب الأولمبية الصيفية لعام 1968 في مكسيكو سيتي، حيث فاز بالميدالية الذهبية وحقق رقمًا قياسيًا أولمبيًا. بالطبع، احتار الحكام آنذاك فيما فعله اللاعب، وهل يخالف أسلوبه التعليمات أو لائحة اللعبة؟ وبعد المداولة، ثبت أنه لا توجد أي مخالفة، وأن اللاعب يستحق الميدالية الذهبية. ومنذ ذلك التاريخ، اعتمد هذا الأسلوب وتوقف اللاعبون عن القفز بالأساليب التقليدية السابقة تمامًا.
هذا المثال —رغم ابتعاده زمنيًا عن عصر الذكاء الاصطناعي الذي نحن بصدد إشكاليته— يوضح بدقة الفرق والأهمية والقيمة البالغة لعدم الامتثال دائمًا للإحصائيات ولما تقدمه النماذج الآلية من إجابات نمطية أو تقليدية مبنية على تدوير بيانات التعلم السابقة.
يجب أن يبقى العقل البشري هو القائد والمستنير والمجرب المتمرد على جمود الأدوات، ومنها بالطبع أدوات الذكاء الاصطناعي. إن هذه التقنيات يجب أن تُوظف كمساعد ذكي للإنسان للقيام بالعمليات التقليدية الروتينية، بهدف توفير المزيد من الوقت للتفكير المنظم والإبداعي؛ أي إنها خُلقت لتمنح الإنسان مساحة أكبر ليبدع، لا لينشغل وينطفئ في دهاليز أنشطة نمطية متكررة.




