كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| الذكاء الاصطناعي من أجل التنمية.. كيف تتحقق الرؤية؟

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي حديثًا عن رفاهية أو عن تقنية يمكن تجنبها أو عدم توطينها أو استخدامها مع إمكانية المضي قدمًا على مستوى الحكومات والشركات والأفراد أيضًا. فالذكاء الاصطناعي أصبح بنية تحتية تعيد تشكيل الاقتصاد والتعليم والصحة والصناعة والزراعة والثقافة وحتى الأمن وموازين القوة بين الدول. ولهذا لم يكن مستغربًا أن تتجه اجتماعات الأمم المتحدة هذا الشهر إلى تكثيف النقاش حول مستقبل الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي، مع تصاعد الدعوات لإنشاء وكالة دولية متخصصة، على غرار الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تكون مهمتها ضمان الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التكنولوجيا من أجل الرفاهية والتنمية وسلامة البشر والكوكب.

وهنا يطرح السؤال حول ماهية هذا التنظيم أو هذه الوكالة المقترحة والمطلوبة أيضًا لكيلا يكون إنشاؤها وتصميمها معرقلاً للابتكار، وأن تستطيع القيام بالدور الإيجابي المنتظر لكي تمنع إساءة استخدام أكثر التقنيات تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين.

إذا أردنا بناء وكالة فعالة، فإن هيكلها التنظيمي يجب أن يجمع بين التمثيل الحكومي والخبرة التقنية والاستقلالية العلمية. يمكن أن يتكون من مجلس للدول الأعضاء يضع السياسات العامة، ومجلس علمي يضم خبراء مستقلين في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والأخلاقيات والقانون، إضافة إلى أمانة تنفيذية تتولى التنسيق والمتابعة، ومراكز إقليمية تساعد الدول النامية على بناء قدراتها التقنية، وفرق ومراكز تقنية تستطيع القيام بأعمال الفحص والاختبار والإجازة أو المنع وتسجيل المخالفات والتجاوزات.

يجب أن يكون جل عمل الوكالة ليس مجرد إصدار القرارات فقط، بل عليها بناء منظومة مستمرة للتقييم والمراجعة. في الأساس، يمكن اعتماد آليات تدقيق لأنظمة الذكاء الاصطناعي عالية الخطورة، ووضع معايير دولية للشفافية وإدارة المخاطر، وإنشاء قواعد للإبلاغ عن الحوادث التقنية، مع إصدار تقارير دورية تقيس مدى التزام الدول والشركات بهذه المعايير.

غير أن نجاح أي وكالة لن يتوقف على الحكومات وحدها، فالشركات هي المطور الأكبر للنماذج المتقدمة، والجامعات تنتج المعرفة، والمجتمع المدني يراقب التأثيرات الاجتماعية، بينما يمثل الأفراد المستخدم النهائي الذي تتأثر حياته اليومية بهذه الأنظمة. لذلك يصبح التنسيق بين هذه الأطراف ضرورة لا خيارًا، من خلال منصات تشاور دائمة، وتبادل البيانات المتعلقة بالمخاطر، وتمويل مشروعات بحثية مشتركة، وإتاحة آليات واضحة للإبلاغ عن الأضرار والانتهاكات.

هنا لا نقلل من أهمية الحكومات وما تصدره من قرارات. فما حدث خلال الأسابيع القليلة الماضية من قرارات للحكومة الأمريكية بشأن منع نشر أحد التطبيقات ثم تعديل القرار ليكون التوزيع محدودًا لعدد من الجهات والشركات الأمريكية فقط هو أحد أمثلة التدخل الحكومي الذي لم نجد دولًا أخرى قامت به، إلا الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة. وهي إجراءات جيدة، ولكن الأمر يجب أن يشمل العالم كله في إطار دولي مراقب ومعتمد من الجميع.

يبقى التحدي الأكبر في تحقيق التوازن بين الابتكار والتنظيم. فالإفراط في القيود قد يبطئ التطور، مما قد يؤثر سلبًا على فرص التنمية، بينما يؤدي غياب القواعد إلى سباق غير منضبط قد يهدد الأمن والاقتصاد وحقوق الإنسان وغيرها من المجالات. ومن هنا ينبغي أن يكون هدف الوكالة بناء الثقة قبل فرض القيود، وتشجيع التعاون قبل العقوبات، ونقل المعرفة قبل احتكارها.

وربما تكون هذه هي الفكرة الأهم. فكما أدرك العالم أن الطاقة النووية تحتاج إلى إطار دولي يضمن استخدامها السلمي، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه ذاته. علينا أن نتحرك اليوم والآن من أجل البدء في هذا الإجراء، مهما بدا الحلم بعيد المنال ومهما بدا المشهد ملتبسًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى