كاتب ومقال

هل نريد العدالة.. أم نكره أفضلية الآخرين؟

بقلم: سمر مرسي

ماذا لو أخبرتك أن أكثر ما يثير غضب الإنسان ليس الظلم الذي يقع عليه وحده، بل أن يرى غيره ينال ما حُرم منه؟ قد تبدو الفكرة صادمة، لكنها تكشف جانبًا معقدًا من النفس البشرية، جانبًا يجعلنا نتساءل: هل نبحث حقًا عن العدالة، أم أننا نبحث فقط عن ألا يتقدم أحد علينا؟

في تجربة علمية شهيرة، وُضع قردان يؤديان المهمة نفسها، ويحصلان على المكافأة نفسها: قطعة من الخيار. لم يعترض أي منهما، ولم يُبدِ أحدهما استياءً، رغم أن الخيار ليس أفضل المكافآت. كان الأمر يبدو عادلًا، أو على الأقل متساويًا.

لكن الباحث قرر أن يغيّر شيئًا واحدًا فقط. منح أحد القردين عنقودًا من العنب، بينما استمر الآخر في تلقي الخيار. وفي لحظة واحدة تغيّر كل شيء. ثار القرد الذي بقي نصيبه الخيار، وقذف طعامه بعنف، وراح يهز القفص في غضب شديد، ليس لأن الخيار أصبح أقل جودة، بل لأنه اكتشف أن غيره حظي بما هو أفضل.

هذه اللحظة لم تكن درسًا في سلوك الحيوانات فحسب، بل كانت نافذة لفهم جانب من النفس البشرية؛ إذ تكشف كيف تؤثر المقارنة في شعورنا بالإنصاف، دون أن تعني بالضرورة أن كل غضب من التفاوت سببه الحسد.

واللافت أن إحساس الإنسان بالعدالة لا يتشكل دائمًا من حجم ما يملكه، بل من مقارنة ما يملكه بما لدى غيره. فقد يرضى بما بين يديه سنوات، ثم يفقد هذا الرضا في لحظة، لا لأن واقعه ازداد سوءًا، بل لأن ميزان المقارنة تغيّر. وهنا تكمن خطورة المقارنة المستمرة؛ فهي قادرة على تحويل شعور مشروع بالمطالبة بالحق إلى انشغال دائم بما يملكه الآخرون، فيختلط السعي إلى العدالة بالرغبة في ألا يتقدم أحد.

فالإنسان قد يعتاد بعض صور الظلم إذا طال أمدها، ويتكيف مع نقص حقوقه حتى يظن أن الحرمان هو الوضع الطبيعي. لكنه يستيقظ فجأة عندما يرى شخصًا آخر ينال ما كان ينبغي أن يكون حقًا للجميع. عندها يمتزج إحساس الظلم بالمقارنة، ويصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين المطالبة بالحق والرغبة في زوال نعمة الآخرين.

ولهذا قد يتقبل الإنسان سنوات من ضعف راتبه، لكنه يغضب عندما يكتشف أن زميلًا يؤدي العمل نفسه ويتقاضى أكثر. ونرى مجتمعات اعتادت القهر سنوات، لكنها تنقسم وتتنافس بمجرد أن يحصل بعض أفرادها على امتيازات لم يحصل عليها الباقون.

المؤلم في الأمر أن كثيرًا من الناس لا يطالبون بإزالة الظلم عن الجميع، بل يطالبون بإلغاء الامتياز عن غيرهم. وكأن المشكلة ليست في غياب العدالة، بل في وجودها بشكل غير متساوٍ. فيتحول الهدف من أن يرتفع الجميع، إلى ألا يرتفع أحد.

وهنا يربح الظالم المعركة بأقل مجهود؛ لأن المظلومين ينشغلون ببعضهم بدلًا من الانشغال بسبب الظلم نفسه. فيراقب كل واحد منهم نصيب الآخر، ويقيس خسارته بما يملكه غيره، لا بما سُلب منه أصلًا. وهكذا تتحول المعركة من استرداد الحقوق إلى مطاردة الامتيازات.

لكن العدالة لم تكن يومًا أن نتساوى في الحرمان، ولا أن نقتسم البؤس بالتساوي. العدالة الحقيقية أن يحصل كل إنسان على حقه كاملًا، دون أن يكون حصول غيره على حقه سببًا في غضبه. فالحق لا ينقص إذا تقاسمه الجميع، والكرامة لا تصبح أقل لأن الآخرين نالوها أيضًا.

قد يكون القرد معذورًا، فهو تصرف بدافع الغريزة. أما الإنسان فقد مُنح عقلًا يميّز بين الحسد والإنصاف، وبين الغيرة والحق، وبين أن يطالب لنفسه بما يستحق، أو أن ينشغل بحرمان الآخرين مما يستحقون.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه ليس: لماذا غضب ذلك القرد؟ بل: هل يؤلمني ضياع حقي.. أم يؤلمني أن غيري نال حقه؟ ففي الإجابة عن هذا السؤال يكمن الفارق بين مجتمع يبحث عن العدالة، ومجتمع لا يريد سوى أن يتساوى الجميع في الظلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى