
ليست الفوضى والصخب في شبكات التواصل الاجتماعي فقط؛ الأصل موجود في الحياة الطبيعية التقليدية التي لم تعد هادئة كما كانت في الماضي. فالكثير من الحوارات والنقاشات تمر أمامنا، وهي مجرد انعكاس لهذا الكم المهول من الأخبار والمعلومات الصحيحة والمغلوطة والخاطئة، وكذا أيضًا الشائعات والخرافات المنتشرة عبر تلك الشبكات.
الفرق أن النقاش قد يدور أمامنا بصوت مرتفع وبلا بداية أو نهاية، مجرد جدل ونقاش وصيحات وارتفاع أصوات، وارتفاع لقياسات الضغط والسكر والأدرينالين والكورتيزول بلا أي طائل أو عائد أو محصلة نهائية، ثم ينفض السامر—إن جاز أن نطلق عليه ذلك—ثم ما يلبث أن ينعقد مرة أخرى في توقيت غير معروف، قد يكون بعد انتهاء الجولة الأولى بدقائق أو ساعات، لكن حتمًا سيتكرر، سواء بنفس الأشخاص أو بآخرين، وسواء للنقاش والجدل والصياح حول نفس الموضوعات أو حول موضوعات جديدة لا تقل تفاهة أو سطحية عن سابقاتها.
أما عن الأدوار وردود الفعل، فتختلف من شخص لآخر. فعن الأدوار، قد نكون أحد أطراف الحوار أو مجرد مستمعين، أو مستمعين يتم سحبنا للمشاركة في هذا الحوار الذي لا ينتهي. وفي جميع الأحوال، فإننا نسمع ونفكر ونقارن وننفعل ونرد ونناقش ونشتبك. ولا أريد أن أقول إنه في بعض الحالات يصل الأمر إلى الاشتباك بالأيدي، وإن لم يصل إلى هذه الدرجة، فإن المحصلة سلبية لا شك في هذا على الجسم والروح. فالانفعال مدمر في أغلب الحالات، ولا أستطيع أن أجد إلا حالات قليلة جدًا أدى بها هذا النوع من الحوارات إلى حالة أفضل مما كان عليه أطرافه قبل البدء فيه.
إذاً، عندما نصل إلى قناعة تامة بعبثية ما يحدث، فإننا نحاول أن نتجنب هذا أو على الأقل نسمح بأن يحدث أمامنا بدون أي مشاركة تضرنا. لاحظت أيضًا أن الهروب الحاضر متاح في حالة وجود فردين على الأقل، أن تتركهم يتناقشون بينما تكتفي بالابتسامة أو محاولة الانشغال بأي أمر آخر مثل شاشة الهاتف أو تأمل لوحة على الحائط. لكن حتى في هذه الحالة، فإن بعض الكلمات والنقاشات تتسرب إلى داخل عقلك. فهذا هو عيب عدم وجود أغطية لفتحات الأذن مثلما هو الحال مع بعض أنواع الفقمات وثعالب الماء وأفراس النهر التي تستطيع التحكم في عضلة الأذن وتغلقها تمامًا أثناء السباحة.
ولكن هذا لا يعني أن الإنسان لا يستطيع أن يصل إلى درجة عالية من الانفصال عن هذا الصخب. فجوهر الحضور الغائب يعتمد على التشتيت المتعمد عما يدور حولنا، وهذا يتم عبر آلية تُسمى الإحصار العصبي (Nerve Block). ففي السياق الاجتماعي، هي ليست دعوة للتعالي، بل هي وسيلة لحماية الطاقة النفسية. حين تصبح الكلمات والنقاشات أحمالًا زائدة على الدماغ قد تصل بصاحبها إلى الانهيار العصبي، لذلك يمكن للمرء أن يمارس ما يُعرف بـ “الحضور الشكلي”؛ حيث يبقى الجسد في مكانه، بينما يبحر العقل في عوالم أخرى. يمكن على سبيل المثال البدء بتحويل صوت المتحدث إلى “موسيقى خلفية” (Background Noise)، حيث نركز على نبرة الصوت وتقلبات الإيقاع بدلاً من معالجة المعاني اللغوية. هذه الحيلة الذهنية تجعل الدماغ في حالة راحة، بينما يظن الآخر أنك لا تزال ضمن دائرة التفاعل.
ثمة أسلوب آخر يعتمد على “التأمل الوصفي”، وهو أن تنشغل بمراقبة التفاصيل الدقيقة المحيطة بك؛ كأن تتأمل شكل إطار النظارات التي يرتديها المتحدث، أو تدرج الألوان في اللوحة المعلقة خلفه. هذا الانشغال بالتفاصيل البصرية يعمل كحاجز صدٍّ يمنع الكلمات من النفاذ إلى مركز التفكير العميق لديك. علاوة على ذلك، تلعب “لغة الجسد المحايدة” دورًا محوريًا؛ فالاستجابات المقتضبة والكلمات التي لا تفتح آفاقًا جديدة للحوار مثل: “صحيح”، “أتفهم”، “جميل”، “ربنا يصلح الحال”، تعمل كإشارات خفية تخبر الطرف الآخر بأن شعلة الحوار قد بدأت تخبو، مما يمهد الطريق لانسحاب تدريجي يبقى الود، ولا يشعر الطرف أو الأطراف الأخرى أنك أصبت بالضجر أو أنك ترغب في تهشيم رؤوسهم.
ختامًا، يجب أن ندرك أن عقولنا هي أثمن ما نملك، وإهدارها في الاستماع لما لا يفيد هو نوع من التبديد للوقت الذي هو أثمن ما نملك والذي لا يمكن تعويضه. فإن القدرة على “إغلاق الأذنين ذهنيًا” هي مهارة بقاء في عصر الازدحام المعلوماتي. فالثقافة الحقيقية ليست فقط فيما تتعلمه، بل في قدرتك على اختيار ما يستحق أن يدخل إلى وعيك. إنها رحلة مستمرة لتعلم متى تفتح أبواب عقلك للحوار، ومتى توصدها بلباقة لتبقى روحك في سلام بعيدًا عن صخب الكلمات الجوفاء.



