كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| سمك لبن تمر هندي

سمك لبن تمر هندي تعبير مصري صميم للتعبير عن الفوضى في خلط الأشياء غير المتناسقة معًا، مع توقع حتمي للنتيجة، من يأكل السمك ثم يشرب اللبن ويليه التمر الهندي حتمًا سيصاب بتلبك معوي، وربما يتقيأ كل هذا الخليط. أمر مشابه لذلك يحدث لبعضنا عندما تضعه الظروف أمام بوفيه مفتوح، حيث حرية الاختيار بين أصناف كثيرة من المحمر والمشمر والمشويات والخضروات والفاكهة والحلويات الشرقية والغربية والاستوائية.

في الغالب، يشعر الشخص بسعادة ونشوة أثناء تناول كل تلك الأصناف، ولكن حتمًا سيشعر بآلام في المعدة والقولون وحموضة في المعدة وفمها. رحلة تبدأ بعد دقائق من تلك الوجبة ولا تنتهي بإخراجها بعد ساعات. حسنًا، جميعنا يعرف هذا، ولكن البعض يضحي بآلامه في سبيل لحظات سعادة لا تحدث كثيرًا، ببساطة لأن القليل منا من تتح له تلك الفرصة في كل وجبة يتناولها كل يوم.

لكن للأسف، هنا سمك لبن تمر هندي آخر نتناوله يوميًا، وكل ساعة، وربما كل دقيقة. هو الخليط العجيب من المواد التي نراها على شبكات التواصل الاجتماعي، وخاصة مقاطع الفيديو السريعة المعروفة بالريلز Reels، والتي يشتهر تطبيق تيكتوك بها أكثر من باقي تطبيقات التواصل الاجتماعي، ببساطة لأن الخوارزميات أكثر سرعة وتحرير المحتوى أكثر من باقي التطبيقات.

ولأن تلك المقاطع سريعة، يمكنك أن تشعر بالخوف فيزداد إفراز الأدرينالين والكورتيزول، ثم بعد ذلك بثوانٍ يتدفق الدوبامين نتيجة فيديو لطيف أو ساخر، ثم بعض من السيروتونين عندما ترى فيديو يشعرك بالاطمئنان والراحة، يليها الأدرينالين مرة أخرى لأن الفيديو التالي كان مضحكًا، ثم الأوكسيتوسين يتدفق عندما تتعرض لفيديو من أحد تعرفه أو تحبه.

المشكلة أن تلك الإفرازات تختلط معًا فتحدث اضطرابات جديدة لم يتعرض لها الإنسان قبل تلك الاختراعات. فلم يحدث من قبل عبر التاريخ كله أن شعر الإنسان بالارتياح والخوف والسعادة والقلق والامتنان في دقيقة أو دقيقتين. ولذلك فإننا أمام عصر جديد من الاضطرابات النفسية والعصبية وتلفيات جديدة في المخ وخلاياه وموصلاته العصبية، لم يستطع العلماء التعبير عنها بأقل من تعبير “تعفن الدماغ” Brain Rott، وهي الكلمة التي اختارها قاموس أكسفورد لعام 2024 لوصف تلك الحالة الفريدة والمزرية معًا.

لذلك، ونتيجة لتلك الاضطرابات، تصاعدت التحذيرات والمبادرات لتقنين الاستخدام، ومنها المبادرة الرائعة “معًا يوم بلا شاشات” التي أطلقتها الأستاذة الدكتورة منى الحديدي، عضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وعضو المجلس الأعلى للثقافة. وانضم إليها الكثير من الجهات والأفراد والمثقفين والمؤثرين، وتم اختيار يوم 25 سبتمبر هذا العام لإطلاق المبادرة. ببساطة، جرب الابتعاد ليوم كامل، أكثر أو أقل، حسب قدرتك وعلى حسب درجة إدمانك، لتقوم بأنشطة كنا نقوم بها قبل هذا الهجوم المتوحش. ثم بعد انتهاء اليوم، قف وقيّم وحدد الأسلوب والكمية المثلى للاستخدام اليومي والنوعية أيضًا.

المبادرة لإنقاذ الإنسان أو ما تبقى منه قبل أن ينجرف إلى تلك الهوة السحيقة، ولا يستطيع الخروج منها أو العودة مرة أخرى إلى إنسانيته. وهنا سيصبح أدنى كائن حي في سلم التطور، وستكون الفراشة أو الذبابة أكثر أهمية ودورًا منه.

إذا، المشكلة في إضاعة الوقت وفي التنوع في المحتوى. ولتجربة ذلك، حاول أن تشاهد مقاطع مصورة من نفس النوع لنفس المدة المعتادة، وستشعر ببعض الراحة. على الأقل، سيفرز المخ النوع المناسب من الإفرازات ولن يختلط بالأنواع الأخرى. ثم بعد ذلك، عد إلى تقنين الوقت لأن الحياة بها مباهج وأنشطة ومهام كثيرة لا تراها جميعًا وأنت تقبع خلف الشاشات، تضحك ثم تخاف ثم تشعر بالامتنان ثم القلق ثم القلق ثم الخوف ثم السعادة ثم الاكتئاب، وهكذا حتى تجد فجأة من يسألك: من ربك؟ وفيما أنفقت وقتك؟

بقلم
المهندس زياد عبد التواب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى