
لم يعد بالبيت أي ضحكات، الضحكة الأخيرة ضحكتها مودة ليلة أمس دون قصد وهى تسمع طرفة قديمة من جبر، أشارت له من مدة أن الضحكات في طريقها للنفاذ وأن عليه الذهاب للسوق لشراء ضحكات جديدة تكفيهم وتكفي أولادهم الصغار،
جبر زوج طيب لا يتحمل رؤية زوجته وأولاده يعانون نقص أو احتياج، بالبيت وفر من الطعام والملابس وحتى خشب تدفئة الليالي الباردة، لا ينقصهم شئ سوى الضحكات،
دخل السوق بتوتر وهو يشك في قدرته على شراء ضحكات جديدة، قانون السوق صارم ولا أحد من الباعة يقبل الفصال أو الثمن، الضحكة الواحدة مقابل قصة ذات معنى،
إقترب من عجوز بلحية بيضاء وجلس أمامه بهدوء وطلب منه ضحكات بعدد أفراد أسرته، إبتسم العجوز بوقار وطلب منه سماع قصة دسمة تعادل عدد الصحكات المطلوبة،
قص جبر قصة لقاءه الأول بمودة وأسهب في وصف المشاعر حينها وكيف كان يقف الليالي الطوال تحت شرفتها دون ملل على أمل أن تطل ويلمح إبتسامة ثغرها،
لم يتخل العجوز عن إبتسامته وربت برفق على كتف جبر وهمس له برقة،
قصتك يا ولدي لا تجلب لك غير ضحكة واحدة فقط،
إمتعض جبر وحاول الفصال والمساومة دون جدوي حتى مل المقايضة وغادر فرشة العجوز دون الحصول على شئ،
تاجر ثان وثالث ورابع وفي كل مرة ينتهي من قصته دون أن يجد من يقايضها بضحكات تكفي عائلته، الوقت يمر والسوق في طريقه للإنتهاء والغلق ولم يجد من يبيعه ضحكات جديدة يعود بها لمودة وصغارهم،
تمكن اليأس منه وقرر الرحيل قبل أن ينتبه فجأة لرجل ذو جلباب واسع مزين بخطوط ذهبية على وشك الوقوع من فوق جواده، هرول ناحيته وأمسك بقوة بلجام الحصان ووضع كتفه النحيل أسفل خصر الرجل يسنده قبل أن يسقط من فوق الحصان،
تجمع المارة وبعض التجار الحاملين ضحكات لم تباع وإقتربوا منهم وهم ياسألون عما حدث، نزل الرجل من فوق جواده وصار يقص عليهم كيف أنه كان على وشك السقوط ومع بدانته الواضحة كان مُعَرض لإصابة بالغة لولا شهامة جبر وإنقاذه له في اللحظة المناسبة،
تعالت صيحات الإعجاب من حناجر المستمعين وأعطوا الرجل عدد كبير من الضحكات الطازجة نظير قصة إنقاذه،
تهلل وجه جبر وإستبشر أن يعطيه الرجل بضع مما جنى من ضحكات بفضله، لكنه تفاجئ برد الرجل الحاسم عليه بجدية وصرامة وهو يخبره أن الضحكات كلها من نصيبه وحده لأنه حكى القصة وحده ولم ينبث جبر ببنت شفه أمام المستمعين،
عاد لبيته بوجه عابس وواجم لا يحمل شئ جديد ووقف أمام مودة في صمت حتى سألته عن سبب وجومه وعن الضحكات الجديدة كما وعدها،
لم يجد ما يقوله غير أنه تنهد بسخرية وهو يخبرها بما حدث وبعد أن فرغ من قصته، لوت فمها وهى تضمه لصدرها تخفي عنه نظرة الإحباط المرتسمة فوق ملامحها وتقول بصوت حزين،
فاز بالضحكات من حكى وعاد بالخيبة من ظن أن الناس يؤمنون بالإحسان.



