
في ظل التحوّلات المتسارعة التي يشهدها المشهد الإعلامي العربي، برز برنامج “دولة التلاوة” بوصفه مساحة فريدة تعيد للأصوات القرآنية حضورها، وتمنح أجيالاً مختلفة فرصة الظهور والتعبير عن ملكاتهم في التلاوة والتجويد. فقد بدا واضحًا أن الإعلام – رغم تنوّعه – كان بحاجة إلى منصة تستعيد روح التلاوة الأصيلة، وتُبرز طاقات شابة طالما ظلّت حبيسة المجالس المحدودة أو ساحات المساجد دون أن تجد سبيلًا للوصول إلى جمهور أوسع. ومع انطلاق البرنامج، أتاح الفرصة لشرائح عمرية متنوعة كي تُسمِع العالم جمال أصواتها، وتُظهر مهاراتها في الأداء القرآني وفق مدرسة تجمع بين الأصالة والابتكار.
غير أنّ النجاح الإعلامي لا يأتي عادة دون محاولات للتشويه أو الجدل المفتعل. فقد تعرّض البرنامج لهجوم من أطراف سعت إلى النيل منه، إما بدافع سوء الفهم أو بدافع الرغبة في تقويض أي تجربة ناجحة. ومن بين ذلك حملات انتقدت وجود المذيعة آية عبد الرحمن بدعوى أنها “فتنة”، مطالبةً باستبدالها بمذيع رجل، وكأن الحضور المهني والإعلامي للمرأة لا يزال يقف في موضع مساءلة رغم كفاءتها وحيادها وأدائها الرصين. كما طالت محاولات التشويه الداعية الشيخ مصطفى حسني، الذي تعرّض لحملة منظمة هدفت إلى النيل من صورة البرنامج عبر التشكيك في نواياه أو جدوى مشاركته، على الرغم من حضوره الإنساني الهادئ، وخطابه المتزن الذي اعتاده جمهور واسع من مختلف الدول.
ورغم كل تلك المحاولات، بقي الأثر الأجمل للبرنامج حاضرًا؛ أثرٌ يصنعه صوت قارئ صغير يتلو القرآن فتخشع له القلوب، أو قارئ شاب يجد في هذه المساحة حلمًا يتحقق، أو متابع يشعر بأن الإعلام عاد ليقدّم مضامين روحية راقية تعيد شيئًا من السكينة المفقودة. لقد أثبت “دولة التلاوة” أن المحتوى الهادف لا يزال قادرًا على المنافسة، وأن الجمال حين يخرج من حنجرة قارئ مخلص لا يمكن تشويهه مهما حاول البعض ذلك. فالضوء يظل ضوءًا، والقرآن يظل مصدرًا لا ينضب للطمأنينة، والبرامج التي تُبنى على النقاء تبقى.. وإن علا حولها غبار الجدل


