
الشاشة الفضية، الفن السابع، مصطلحات تعبر عن السينما، ذلك الفن وتلك الصناعة التي بدأت منذ أكثر من 135 عامًا. بدأ الفيلم قصيرًا صامتًا ووصل اليوم إلى أن أصبح ذو أبعاد تسعة (9D) أو أكثر. وخلال تلك الرحلة الطويلة، وقبل انتشار الفيديو كاسيت، ومن بعده الإنترنت والمنصات الرقمية، كانت رحلة مشاهدة فيلم سينمائي من أمتع الرحلات.
في مصر، كان يتم تغيير الأفلام في دور العرض يوم الأربعاء، وكان يسبق هذا حملة دعائية مكثفة في الصحف والمجلات، وفي الإذاعة والتليفزيون، وأيضًا في دور العرض. كان يتم الإعلان عن العروض القادمة، وتنتشر أفيشات الفيلم في الشوارع، ويُوضع ملصق كبير أو ماكيت خشبي مهول الحجم أمام دار العرض، وفي القاعة الداخلية بجوار شباك التذاكر، كنا نشاهد صورًا فوتوغرافية لبعض من أهم اللقطات. ثم يأتي يوم العرض، نتوجه إلى شباك التذاكر ونختار المقاعد من خلال ورقة كبيرة عليها الكراسي وأرقامها. كثيرًا ما كنا نخطئ الاتجاه، فنسأل الموظف: “أين اتجاه الشاشة؟” لنختار موقعًا متوسطًا، فإذا جلست في الخلف ستفقد التركيز، وإذا اقتربت كثيرًا من الشاشة لن تستمتع بالفيلم. الحل في منطقة الوسط، وسط القاعة طولًا وعرضًا.
عند دخول القاعة مبكرًا، ستجد الأنوار مضاءة وستجد من يرشدك إلى مقعدك. أما إذا دخلت بعد بداية العرض، فستجد نفس الشخص يحمل كشافًا ليُرشدك به إلى المقعد وسط الظلام ووسط الأحداث ووسط ترحيب أو امتعاض الحضور، لأنك كسرت حالة التركيز وقطعت خيوط الاندماج. في الماضي، لم يكن هناك استراحة في منتصف الفيلم مثلما هو الحال الآن. كان عليك أن تبقي ذهنك متقدًا وعيونك مفتوحة من البداية للنهاية، وأن تؤجل رحلة الذهاب إلى دورة المياه إلى ما بعد النهاية، النهاية التي كانت متوقعة من البعض قبل أن تأتي، فيهمون بمغادرة مقاعدهم هربًا من الزحام. أما عشاق السينما، فينتظرون حتى النهاية وحتى إضاءة القاعة مرة أخرى قبل أن يفكروا في الخروج.
لحظة الخروج كانت استثنائية وغريبة في نفس الوقت، لحظة العودة من حالة الفيلم إلى الواقع مرة أخرى. أتذكر كم كانت تمر علينا أول دقائق عند العودة إلى الواقع، ما زلت تشعر بأجواء الفيلم وتستغرب شكل الشوارع والناس والسيارات التي تراها مجددًا بعد ساعتين من الانفصال، ثم سرعان ما تعود إلى الواقع ويصبح الفيلم خيالًا وذكرى.
الآن، مع إدمان الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، اتسعت مساحة العالم الافتراضي. أصبحنا نشعر بنفس إحساس الدقائق الأولى للخروج من السينما في كل لحظة تترك أعيننا تلك الشاشات لنُتابع أي مما يحدث في العالم الطبيعي الذي ما عاد طبيعيًا. فنعود مرة أخرى إلى الشاشات ونتقلب فيها، نشاهد و ننفعل ونتفاعل، وتقل مع الوقت مساحة الواقع، ثم تخدعنا عقولنا وتقنعنا أن الواقع بات داخل الشاشات وأن ما سواه أمور مؤقتة لا يجب أن نكترث بها كثيرًا أو نهتم بما يدور فيها.




