كواليس حريق سنترال رمسيس.. ذهول شعبي وتحرك حكومي!
4 وفيات وعشرات المصابين ودروس مهمة من الحادث
رضا الشويخي – القاهرة
في مشهد لم يألفه الشارع القاهري منذ سنوات، استيقظت العاصمة صباح الأحد 7 يوليو 2025 على سحب دخان كثيف تتصاعد من قلب القاهرة. النيران التي التهمت أجزاء من سنترال رمسيس، أحد أقدم وأهم مراكز الاتصالات في مصر، لم تحرق فقط تجهيزات إلكترونية، بل طرحت على الطاولة أسئلة محرجة عن أمان البنية التحتية الرقمية في دولة ترفع شعار “التحول الرقمي الشامل”.
الحريق، الذي استمر أكثر من 6 ساعات بحسب روايات شهود العيان، أصاب الشبكة بخلل واسع النطاق، ما أدى إلى تذبذب ملحوظ في خدمات الإنترنت الأرضي والهاتف الثابت في مناطق مركزية، بينها منشآت مصرفية وخدمية تعتمد بشكل كلي على الربط الرقمي. عدد من البنوك علق خدماته الإلكترونية، وواجه المواطنون صعوبة في إجراء بعض المعاملات الرسمية، في لحظة كشفت هشاشة “السنترال التاريخي” الذي ظل لعقود عصب الاتصالات بالقاهرة.
الأضرار البشرية كانت صادمة. فقد أكدت مصادر طبية وفاة 4 مهندسين داخل السنترال نتيجة اختناق بالدخان، في حين نُقل عدد من المصابين إلى مستشفيات قريبة لتلقي العلاج. المأساة فتحت الباب واسعًا للانتقادات، وللدعوات إلى مراجعة شاملة لإجراءات السلامة داخل المرافق الرقمية الحساسة.
التحرك الرسمي جاء سريعًا. أعلن مجلس الوزراء في بيان عاجل السيطرة على الحريق دون امتداده للمباني المجاورة، فيما أوضح الدكتور عمرو طلعت، وزير الاتصالات، أن فرق الطوارئ استعادت نحو 90% من الخدمات خلال ساعات، بعد تحويل الشبكات المتضررة إلى مسارات بديلة، في وقت تتواصل فيه التحقيقات لمعرفة السبب، وسط ترجيحات بوجود ماس كهربائي داخل إحدى غرف التجهيزات.
البرلمان لم يصمت. ووصفت النائبة مرثا محروس، وكيل لجنة الاتصالات، الحادث بأنه “ناقوس خطر”، مطالبة بإعادة توزيع البنية الرقمية الحساسة، وتحديث أنظمة الأمان داخل السنترالات الكبرى، مؤكدة أن “التحول الرقمي لا يكتمل ببنية سهلة الانكسار”.
النائبة مرثا محروس:
ينبغي توزيع البنية الرقمية الحساسة، وتحديث أنظمة الأمان داخل السنترالات الكبرى، التحول الرقمي لا يكتمل ببنية سهلة الانكسار
لكن الواقعة، رغم قسوتها، ليست الأولى من نوعها. ففي يوليو 2023، تعرض مركز بيانات تابع لإحدى الشركات الخاصة لحريق مماثل أدى إلى شلل مؤقت في خدمات الإنترنت. وعلى المستوى الدولي، تسبب هجوم تخريبي على كابلات الألياف الضوئية في فرنسا عام 2022 في قطع الخدمة عن آلاف المستخدمين، ما يعكس تزايد التهديدات الأمنية على البنية التحتية الرقمية في العالم.
وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن تجاهل ما أنجزته مصر في السنوات الأخيرة. فقد استثمرت الدولة أكثر من 60 مليار جنيه لتحديث شبكات الاتصالات ومد الألياف الضوئية إلى أكثر من 4500 قرية ضمن مبادرة “حياة كريمة”، فضلًا عن إنشاء مراكز بيانات حديثة في القاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية، في مسعى لتحويل مصر إلى مركز إقليمي لخدمات الحوسبة السحابية. كما أظهرت تقارير الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تحسنًا بنسبة 35% في جودة الخدمة خلال عامين فقط.
لكن اختبار سنترال رمسيس أكد أن التوسع وحده لا يكفي. فثمة حاجة ملحّة إلى إعادة توزيع مراكز التحكم الرقمية، والابتعاد عن تركيز الموارد في منشآت واحدة، وتطبيق نظم نسخ احتياطي لحظية. كما أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الكشف المبكر عن الأعطال والحرائق بات ضرورة لا رفاهية، لمنع كوارث مماثلة.
ما حدث في سنترال رمسيس لم يكن مجرد حريق في مبنى، بل جرس إنذار مبكر لمنظومة رقمية لا تزال تتشكل. فبينما تتحرك مصر بثبات نحو مستقبل رقمي، فإن تأمين هذا المستقبل يتطلب بنية تحتية مرنة، ذكية، وقادرة على الصمود في وجه الصدمات… قبل أن تقع








