كلمة ورد غطاها| متى نتوقف عن جلد الذات؟

يبدو أننا مستمرين في الإبهار وفي التفوق على أنفسنا في فنٍّ بات متجذرًا في الخطاب اليومي العام، ألا وهو “فن جلد الذات”، فلا يكاد يخلو حديث، أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى في الجلسات الخاصة، من شكوى لاذعة، ونقد قاسٍ، وتوصيف أسود للواقع وكأن لا شيء يسير على ما يُرام، وكأننا نحن فقط من يعاني من الإخفاقات والعثرات، وكأن باقي شعوب الارض قد بلغت الكمال وأصبحت تعيش بلا أي مشكلات او تحديات على الاطلاق.
وفى محاولة لتحليل تلك الظاهرة نجد ان ثقافة المقارنة السطحية، والانبهار المبالغ فيه بما لدى الآخر، مع تجاهل متعمد أو غير واعٍ لما نحققه على الأرض من إنجازات واقعية، أو فرص مستقبلية ممكنة والحقيقة ان هذا الجلد ينطوي على الكثير من المبالغات والمغالطات والتي لا تخرج الا من شخص لا يعرف او شخص يعرف ويتعمد الباس الحق بالباطل لغرض ما في نفسه وهؤلاء وهؤلاء عندما تواجههم ينبرون في الدفاع عن هذا الأسلوب متمسكين بادعاء ان ما يفعلونه هو مجرد “نقد بغرض الإصلاح.
ونتيجة لهذا الادعاء والخلط قد يكون من المناسب أن نميز بين النقد الهادف، الذي يصدر عن وعي ومعرفة وسعي للتحسين، وبين الجلد المرضي للذات، الذي يعكس شعورًا دفينًا بالعجز أو الاغتراب أو اليأس او حتى الحقد. فالأول ضرورة، والثاني إعاقة، فالنقد الهادف البناء لا يتجاهل الإيجابيات ولا يبالغ في اختلاق سلبيات والامثلة على هذا كثيرة لا اريد ان اعددها او حتى اتحدث عن حالة بعينها فنحن للأسف وصلنا الى مرحلة الهجوم الكاسح على من يحاول ان يكون موضوعيا، هل تستطيع ان ترصد كم شخصا تقابله يحمد الله على نعمه حمدا حقيقيا مقارنة بجحافل المتذمرين غير الراضين؟
ما اقصده بالتحديد ليس انكار للظاهرة ولكن محاولة تحليلها وتفكيكها ومن ثم محاولة الاقلال منها لتلافى اثارها السلبية، وعندما نبدأ بالأسباب نجد انه من السهل تقسيمها الى الأقسام الرئيسية التالية:
1. الإرث التاريخي من الإحباطات: مرّت مصر بتحديات كبيرة، سياسية واقتصادية وثقافية، ترسّبت في الذاكرة الجمعية وخلقت حالة من الشك المسبق في كل محاولة للإصلاح، مع ميل فطري الى التقليل من الذات في مقارنة ذوات الاخرين فالشيخ البعيد سره باتع والمقارنة المستمرة المقرونة بتمجيد الخارج وازدراء الداخل تخلق حالة مزمنة من الدونية والتبعية.
2. الإعلام وتضخيم السلبيات: لعقود طويلة ظل الإعلام يبحث عن العناوين المثيرة، التي غالبًا ما تعزز الإحساس بالفشل أو القصور او وجود ظواهر جديدة يأتي الانطباع بوجودها من تكرار الاخبار المرتبطة بها، فعلى سبيل المثال نجد ان جرائم القتل موجودة في كل دول العالم ومن قديم الازل أيضا ولكن تكرار اظهارها في وسائل الاعلام تثير حالة من الجذع والاحساس باننا قد أصبحنا مجتمعا من السفاحين ومن القتلة المسلسلين.
3. الحنين المرضي إلى الماضي: نميل إلى تمجيد العصور السابقة، وتضخيم منجزاتها، مما يجعل الواقع يبدو باهتًا مهما كانت تطوراته، وهذه حالة نفسية وذهنية معروفة بها الكثير من العاطفة والقليل من التعقل وفى جميع الأحوال يجب ان نعترف بان الماضي لن يعود مهما كنا نراه-او نعتقد- انه كان رائعا ويجب ان نعيش “الان” و نعرف ان المستقبل المنشود هو نتيجة ما نفعله الان الذى سيتحول الى “ماضي” عندما ننتقل الى هذا المستقبل، فان كنت ترغب في أشجار مورقة في المستقبل فان عليك البدء في زراعتها اليوم و الان فلن يجدى البكاء على أشجار الماضي شيئا.
4. وسائل التواصل الاجتماعي: التي صارت بيئة خصبة للسخرية، التنمر، والتقليل من أي جهد أو نجاح، بحجة “الوعي” أو “الواقعية”. ولأننا من أكثر شعوب الأرض فكاهة وسخرية فان الكثير من جلد الذات المخلوط بالفكاهة يلاقى دائما الكثير من الاستحسان والانتشار بغض النظر عن مدى صحة الرسالة من عدمه ودون النظر الى العواقب الناشئة جراء ذلك
اما عن الاثار السلبية فإنها كثيرة ومتعددة لا تمس الفرد فقط بل تمس المجتمع ككل وعلاقاته المتشعبة، فالإحباط الجماعي ينتقل من جيل إلى جيل، ويُشعِر الأفراد أن لا جدوى من أي محاولة للتطوير وهو ما يزيد من مساحات اليأس ويساهم في العزوف عن المشاركة فالضحايا يقولون” لماذا نشارك إذا كان كل شيء سيُقابل بالاستخفاف أو الاتهام؟”
وإذا سلمنا بخطورة جلد الذات فإننا نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو التعافي والشفاء هذا لا يبدأ بقرار جماعي، بل بتحول فردي ووعٍ تدريجي، ومن بين خطوات العلاج الممكنة ما يلي:
1. استعادة التوازن: فلا مانع من الاعتراف بالمشكلات، لكن دون إنكار ما تحقق من انجازات أو تجاهل جهود الإصلاح.
2. تشجيع النماذج الإيجابية: بدلاً من التركيز فقط على السلبيات أو الفشل، لماذا لا نسلط الضوء على من يعملون بصمت، ويحققون إنجازات رغم الظروف؟، واعتقد ان قراءة شريعة لمنشورات شبكات التواصل الاجتماعي ستوضح ذلك، كم منا يلقى الضوء على عالم او مخترع او حتى عامل بسيط يقوم بعمله بكفاءة واتقان مقارنة بعشرات او مئات الالاف من منشورات التريند الذي يتحدث عن جريمة او شخص تافه لا يضيف شيئا
3. تعلم فنّ المقارنة العادلة: المقارنة الحقيقية ليست بما لدى الآخرين من نتائج، بل بما مروا به من ظروف، وتاريخ، وتعليم، وإدارة. بالإضافة الى مقارنة الثقافة والعادات والتقاليد والقيم والاولويات، فالطفل في بعض دول العالم يترك منزل الاسرة في سن مبكرة جدا مع صديقته او زوجته ومن يستمر من مع اسرته ولا يحصل على صديقة يتم التنمر عليه، فهل يجب ان نقارن وضعنا بهذا الوضع مثلا
4. إعادة بناء الثقة بالذات الوطنية: من خلال التعليم والإعلام وخطاب ثقافي يعيد بناء الثقة ويظهر مواطن القوة والتميز وحتى في حالات النقص يستطيع ان يوضح ان النقص ليس قدَرًا أبديًا.
وختاما أقول ان جلد الذات المستمر لا يصنع وعيًا، ولا يُصلح واقعًا، بل يزيده سوءًا فالحل لا يكون بالهدم الكلي، بل بالبناء التدريجي، بالمصارحة دون قسوة، وبالمراجعة دون احتقار.
إننا في حاجة إلى نظرة متزنة، تدرك العيوب، لكنها لا تنكر الجهود. تبصر التحديات، لكنها لا تُطفئ الأمل. فربما يكون السؤال الأهم ليس “متى نتوقف عن جلد الذات؟” بل: متى نبدأ في احترام ما تبقى من ثقة بأنفسنا؟




