أنوف الناس أداويها

في زمن تحول فيه الوجه إلى شاشة إعلانات وتحولت الملامح إلى «مشروع قيد التطوير» بدلاً من أن تكون سيرة وراثية لها تاريخ، أصبح كل منا يعيش تحت وصاية كاميرا أمامية لا ترحم. نعبث بهواتفنا قبل أن نفتح عيوننا، ونسأل صور مصغرة: هل ما زلنا صالحين للنشر؟
ومع كل صباح ننهض فيه نقيس ذواتنا بعدّاد «الإعجاب»..تحّول الأنف -هذا العضو البريء- إلى محور صراع خفي بين ما نحن عليه وما يريده منا العصر. لم نعد نبحث عن ملامح تشبهنا، بل عن صيغة «مقبولة» نعرضها على العالم؛ كأن الجمال لم يعد هبة، بل مشروع تحسين مستمر.
وفي قلب هذا الجنون، تقف الأنوف في الصف الأول، تتحمل نتائج هوسٍ جماعي يبحث عن الكمال.. ولو على حساب الوجه نفسه. الوجه الذي صار هو الآخر يفاوضنا كل صباح: هل نقبل ما تركته الحياة علينا.. أم نُسلّم أنفسنا لحرفنة «نحّاتي» هذا العصر؟!
هذا ليس حديثًا عن الجمال، بل معطيات عصر تسعى إلى جعلنا امتدادًا له، لا امتدادًا لذواتنا.
أنوف في مرمى فضول البشر:
منذ أن وجد الإنسان لذة الفم في الاستحلاب وشرب المنكر، وفي الأنف لذة استنشاق المنزول، الهيروين، الكوكايين أو حتى دقيق التبغ أو النشوق؛ أصبح هذا العضو الصغير شاهدًا على نزوات البشر، كما ذكر محمد مستجاب في نبش الغراب.
فأصبحنا اليوم في مرمى هوس الشكل، فـ لم يعد الخراب آتيًا من المخدرات ومشتقاتها فحسب، بل من رغبتنا المستمرة في تعديل ما وُهب لنا، وكأن الأنف نقطة ضعف مخزية في السيرة الذاتية للوجه.
وبين مشرط الجراح ومرآة الذات، يقف طبيب التجميل اليوم على مفترق حاد:
بين الضرورة والرغبة، بين «فن» ينحت الملامح، و«وظيفة» تعالج العيوب، وبين ما يراه «قابل للتهذيب»، وبين رغبة الناس في التشابه والتميز، صار الأنف البوابة الأولى للقبول الاجتماعي: تصغير، رفع، تدوير، ميلان ٤٥ درجة.. كأننا نعيد صياغة قصتنا الشخصية لتناسب عين متخيلة تحكم علينا من خلف الشاشة في زمن تتقاطع فيه الملامح مع المعايير، وتُقاس الجاذبية بمسطرة لا تعترف بالاختلاف.
والآن عزيزاتي وأعزائي مع المفاجأة الكبرى..«الثالوث الطبي الجديد»
في حقب سابقة كانت العلاقة بين المريض والطبيب بسيطة:
وجع ← علاج ← شفاء
لكنه تحول اليوم حسب الموضة إلى:
قلق نفسي ← حقن وبوتوكس ←سيلفي مفلترة،
وتحول الطبيب من «معالج» إلى «مصمم ملامح»، والعيادة من مكان للعلاج والاستشفاء، إلى ورشة سمكرة بشرية تُنحت فيها الوجوه كما تُنحت التماثيل.
وتحول بعض الأطباء الآن -للأسف أو لحسن الحظ- أدق نحتًا من مايكل آنجلو، يصوغون الوجوه كما لو كانت تماثيل رخامية حديثة.
وأصبح المجد اليوم للملكة الشريرة «أيقونة المقارنة القاتلة» في حكاية سنووايت، حينما كانت المرآة مرجعًا للمقارنة بين جمالها وجمال باقي نساء المدينة.
واليوم ومع صراعات العصر أصبح في يد كل امرأة اليوم مرآتها: «هاتفها الشخصي»، وبدأت فكرة المقارنة الصغيرة، تتحول إلى شعور، ثم إلى طبع، ثم إلى كراهية الذات. وسعت أغلب النساء اليوم لتكون «الأجمل»، لا لتكون «هي».
وتحول التجميل إلى عملية جهنمية ترجع العجوزة صبية؛ فنجد في عيادات هذا العصر، مرايا وإعلانات لا تُخبرنا كيف نبدو، بل كيف يجب أن نبدو. وبات الطبيب محررًا صارمًا يحذف ويضيف حتى تبدو الجملة متقنة، لكنها بلا روح. وأصبح الجمال الطبيعي استثناء، وصار يُعامل كوثيقة نادرة قاومت الاندثار وسط طوفان التجميل الذي سرع عملية فقدان الهوية البصرية، من تعديل ملامح، لـ إعادة برمجة كاملة للوجه، بل وتحديث لنظام التشغيل البشري.
في انتظار جودو:
ولكن عزيزاتي وأعزائي لنا هنا وقفة؛ فالتجميل ليس جريمة فحسب، بل الوهم؛ فمن حق كل إنسان أن يجمّل ما يشاء وقتما يشاء، لكن حين يتحول التجميل إلى هروب من الذات وطمس هويتك البصرية، يصبح اختفاء لا تجميل؛ فالجمال الحقيقي مزيج بين العيب والمميز، بين الطبيعي والمصنوع. التجاعيد ليست عيبًا.. بل سيرة حياة محفورة على الوجه. المشكلة ليست في التجميل، بل في الإفراط.
ويحضرني هنا سؤالٌ: هل بعد استعادة الشباب بالمشرط والحقن سنحافظ على الطبيعة الفطرية؟
الإجابة: بالطبع لا؛ لأنه ببساطة الوجوه «المتصينة» تخلو من المشاعر، لا تضحك بصدق ولا تزعل بصدق؛ عضلاتها معطلة ومقيدة المشاعر معها.
وها نحن أمام موجة صور متشابهة لنساء يشعرن وكأنهن أخوات: فلتر واحد، أنف واحد، وجه واحد، «بس إحنا إللي حاسين باغتراب».
وهنا أستطيع أن أجذم أنه سيظل عنوان المرحلة:
«أنوف الناس أداويها» ليس مجرد عنوان ساخر، بل وصف دقيق لمهنة العصر. وإلى أن يتم اختراع ماكينة تجميل تعيد الوعي الفطري لا الشكل فقط، سنظل في انتظار مشفى أكبر.. لصيانة العقول. وطالما بات هذا العنوان شعار المرحلة سنظل ننتظر تجميلاً يعيد وعينا قبل ملامحنا.
وختامًا.. إليكن عزيزاتي:
كما انتظرت أجيال منكن تسريحات شادية، ومكياج عيون صفية، ولون شعر نبيلة عبيد، وقوام هند رستم،
تذكّرن أن الجمال ليس في التشابه، ولا في محو الملامح حتى نصير شبيهات السحالي أو أسماك القراميط بلا أنف.
فالأنف -إن لم ننتبه- قد يقود صاحبه إلى حتفه.. كما في الكلاب والجواسيس والفئران. فلا أحد يريد وجهًا بلا روح، أو ملامح تشبه السحالي والقراميط والسناجب دون أنف.
«فاحذروا يا معشر النساء.. أن يتحوّل السعي للجمال إلى قطيعة مع أنفسكن قبل أن يكون تجميلًا لوجوهكن».




