خَلْفَ الصَّمْتِ.. كَلَامٌ كَثِيرٌ

بين صمتٍ ظاهرٍ يمتد كالأبدية، وضجيجٍ داخلي لا يكف عن الانهيار، تعيش أرواحٌ اختارت أن تحب بأكثر الطرق نضجًا وأشدها إيلامًا: الحب من مسافة أمان.
نحن لا نبتعد حين تجف المشاعر، ولا نرجع خطواتنا إلى الخلف لأننا زهدنا في الوصل، بل ننسحب حين ندرك بنضجٍ مرير أن القرب —في هذه اللحظة بالذات— بات يُثقل كاهل من نحب، أو يربك عالمهم، أو يزنقهم في زوايا ألم لا يستحقونها. نرضى بالحرمان الظاهري حمايةً لهم، ونحتمل بقلبٍ صبور أن يُفسَّر صمتنا بألف طريقة خاطئة؛ أن يُقال عنه تخَلٍّ، أو هروب، أو جفاء، أو استغناء.. بينما الحقيقة التي يغفل عنها الجميع هي أننا في هذا البعد بالذات نكون أقرب إليهم من أي وقت مضى. نعيش حالة من القرب الخفي؛ نطمئن عليهم بنظرات مسروقة لا تدعهم يشعرون بعبء وجودنا، ونقتات على أسرار بخيرهم من سيرة عابرة نلتقطها في حديث الأصدقاء، كمن يتنفس تحت الماء كي لا يزعج بلهيف أنفاسه هدوء المكان.
غير أن طريقة احتراق النفس بهذا الصمت والاضطرار تتخذ شكلًا مختلفًا كليًا بين الرجل والمرأة:
فالرجل حين يضطر للصمت والابتعاد خوفًا على من يحب، يتحول صمته إلى جدارٍ صلب يرتدي فيه عباءة القسوة واللامبالاة. ينسحب ببدنه كي يرفع عن أنثاه ثقل ظروفه أو إرباك وجوده، متجرعًا أبشع أنواع الخسارة: أن تراه هي الشجاع الذي جبُن، أو العاشق الذي استغنى. يمارس دور الجثة الهادئة من الخارج، بينما هو في الحقيقة حارسٌ خفي يراقبها من خلف الأستار. يمر على أطراف حياتها كالغريب، يسرق نظرة خاطفة لملامحها ليعلم هل أكل الحزن قلبها أم أنها بخير، ويستدرج أخبارها في سيرة عابرة يُلقيها على مسامع الأصدقاء ببرود مُتصنَّع، كي يرتاح قلبه المهزوم دون أن يترك أثرًا لمساعيه. إنه يختار أن يظهر في عينيها خائنًا للعهد، فقط كي تظل هي ساكنة، حرة، وغير مثقلة بوجوده.
أما الأنثى حين تُجبر على البعد حمايةً لقلبٍ تحبه، فإن صمتها يكون نزيفًا داخليًا هادئًا لا يسمع أزيزه أحد. الأنثى كائنٌ يُترجم الحب إلى تفاصيل وكلام واهتمام يتدفق، وحين تُكره على إغلاق تلك المنافذ، فإنها تخوض حربًا شرسة ضد طبيعتها. تطفئ لهفتها وتتراجع للخلف كي تمنحه المساحة التي يحتاجها ليتنفس، تدفن احتياجها الفطري للتواجد تحت ركامٍ من الكبرياء والشفقة عليه. تكتفي بأن تتفقد أثره من بعيد، تترصد خيطًا صغيرًا يدل على سلامته، وتتحمل لوعتها الصامتة وحيدة في ليلها دون أن تبدي عتابًا أو تتسبب في إرباك حياته. تبتعد وهي تلتفت خلفها مع كل خطوة، متمنية لو يوقفها أحد، لكنها تُكمل المضي لأن سلامته وراحته أغلى عندها من امتلاكه.
إنه حبٌّ بلغ من التجرد أقصاه؛ حبٌّ يتسامى عن الأنانية البشرية ليختار أن يُظلم بالإساءة ويُحاكم بالفهم الخاطئ، على أن يكون سبباً في خدشٍ صغير يصيب من يحب.
أصعبُ أشكال القُرْب.. أن أرتدي ثوب القسوة وأنا أتمزق، وأرضى أن أكون في عينيك الشخص الذي تخلى، فقط كي تبقى أنت في الأمان الذي يستحقه قلبك.




