
في زحام أحد الميادين العتيقة لفت انتباهي رجل في مقتبل الكهولة يجلس في سيارته أثناء توقف الإشارة كان يمسك مقود السيارة بيد وبالأخرى يقلّب هاتفه في عصبية ظاهرة يتابع رسائل العمل وعيناه مجهدتان تشيان بسباق لا ينتهي. بجواره كان يجلس طفل صغير يشير بيده بحماس نحو بائع حلوى على الرصيف ويحاول أن يشاركه دهشته لكن الأب لم يلتفت، اكتفى بإيماءة غائبة وتمتمة مقتضبة وظلت عيناه مسجونتين داخل المستطيل الزجاجي حتى تحولت الإشارة إلى الخضرة فانطلق مسرعا. مشهد عابر قد نمر به كل يوم دون أن يستوقفنا غير أنه يحمل في طياته خلاصة المأساة التي نعيشها جميعا نحن نبني كل شيء لأجل هؤلاء الصغار نبني البيوت، ونؤمّن الحسابات، ونطارد الترقيات، لكننا في غمرة هذا البناء المحموم ننسى أن نمنحهم ونمنح أنفسنا أصل الحياة وهو الحضور والإنصات ودفء اللحظة الحاضرة لقد استقر في وعي الإنسان المعاصر وهمٌ خطير مفاده أن الحياة الحقيقية لم تبدأ بعد وأن ما نعيشه اليوم ليس سوى مرحلة تمهيدية شاقة لا بد من دفع ضريبتها من الأعصاب والصحة والعلاقات حتى نصل إلى محطة موعودة نملك فيها حق الراحة والعيش. نقضي زهرة شبابنا ونحن نقول لأنفسنا: سأجلس مع أبنائي حين يستقر وضعي المالي وسأزور والدي حين تنتهي هذه الموجة من ضغوط الوظيفة وسأستمتع بقراءة كتاب أو نزهة هادئة حين أفرغ من سداد هذه الالتزامات. تمر الشهور تلو الشهور والسنوات في إثر السنوات وتتسع رقعة المسؤوليات وتتعقد بدلاً من أن تنفرج لنكتشف فجأة أن الأبناء قد شبوا وصارت لهم عوالمهم المستقلة وأن ظهور الآباء قد انحنت وشابت شعورهم دون أن نشبع من النظر في وجوههم وأن أصدقاء الصبا تفرقت بهم السبل حتى صار اللقاء بهم ضربًا من المستحيل. نكتشف بمرارة أننا أضعنا الأصل ونحن نرتب الفروع وأن العمر الحقيقي كان يتسرب من بين أصابعنا كالماء بينما كنا نظن أننا نخزنه للغد هنا يصفعنا السؤال الذي نهرب من مواجهته ما الذي أخذته منا الحياة ونحن منشغلون ببنائها؟ أخذت منا راحة البال، وعفوية اللقاءات العائلية وتلك الطمأنينة البسيطة التي كان أجدادنا ينعمون بها رغم قلة ما في أيديهم. كنا في الماضي نملك القليل من الأدوات والكثير من الوقت، فأصبحنا اليوم نملك وفرة في المقتنيات وفقرا مدقعا في الساعات الهادئة. نملك بيوتا فارهة مزودة بأحدث وسائل الراحة والذكاء التقني لكنها تفتقر إلى السكينة يدخلها المرء فيجد أفراد الأسرة الواحدة كجزر معزولة.كل واحد منهم غارق في شاشته الخاصة يتبادلون الرموز التعبيرية مع الغرباء في أطراف الأرض بينما يعجزون عن تبادل ابتسامة صادقة أو حديث ذي شجون مع من يقاسمهم سقف الغرفة. لقد تحول الاتصال الرقمي الفائق إلى قطيعة إنسانية باردة وصرنا نجيد إدارة اجتماعات العمل الافتراضية بدقة متناهية في حين فشلنا في إدارة جلسة حوارية واحدة مع مراهق يبحث عن قدوة في بيته فلا يجد إلا ظلالا مشغولة.
وليس العيب قط في السعي ولا في طلب الرزق وعمارة الأرض فالإسلام دين عمل وإنتاج وقد ذم التواكل وحث على الأخذ بالأسباب ورسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم جعل كدّ الإنسان على عياله جهادا يؤجر عليه. غير أن المشكلة تكمن في انقلاب المفاهيم حين يتحول الوسيلة إلى صنم ويصبح السعي الدنيوي نهما لا قرار له واستنزافا روحيا لا يعرف التوقف. لقد نبّهنا القرآن الكريم إلى هذه الآفة النفسية حين أقسم بالزمن نفسه تنبيهًا إلى خطورته وجلال قدره: «وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ». تأمل معي كيف حصر الله جنس الإنسان في الخسران، واستثنى فقط من حقق معادلة الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والصبر. الخسارة هنا ليست إفلاسًا ماليًا في بورصة الأسواق بل هي إفلاس العمر حين ينفد رصيده دون أن يثمر المعنى الذي خلق لأجله. إنها خسارة الرجل الذي يدخل قبره وقد ترك وراءه أرقاما طائلة في المصارف لكن صحيفته خلت من ركعة خاشعة في جوف ليل وبيته خلا من ذكرى حنونة تترحم عليه بها ذريته لقد فرض علينا هذا العصر وتيرة لاهثة سلبتنا القدرة على التذوق والتأمل. حتى لحظات الفرح لم نعد نعيشها بعمق فبمجرد أن يجتمع الأهل حول مائدة أو يشهد الأب نجاح ابنه.يقفز الهاتف فورًا ليوثق المشهد وينشره على منصات التواصل الاجتماعي بحثا عن تصفيق افتراضي عابر. صرنا نعيش لنُثبت للناس أننا نعيش ونوثق السعادة أكثر مما نشعر بها وننشغل بالصورة على حساب الحقيقة. لقد فقدنا بركة الستر الجميل في أفراحنا وأحزاننا واستهلكت طاقاتنا النفسية في مقارنات لا تنتهي مع حيوات الآخرين المصطنعة على الشاشات، فامتلأت النفوس بالوحشة والسخط بدلاً من الرضا والامتنان. وحين يغيب الرضا تصبح الدنيا وحشًا يلتهم صاحبه.يركض فيها ركض الوحوش في البرية يجمع ولا يشبع ويبني ولا يسكن ويخطط للمستقبل بينما يفقد أصل الوجود وهو العبودية الخالصة لله وسلامة الصدر لعباده. إن أخطر ما ندفعه اليوم ثمنا لهذا الانشغال هو تآكل صلتنا بالخالق جل وعلا. لم تعد صلاتنا في كثير من الأحيان محرابا للأنس والسكينة بل أصبحت محطة مستعجلة نحاول إسقاطها من ذمتنا بين موعدين يدخلها الذهن وهو يراجع أرقام الحسابات ويخرج منها والقلب معلق بإشعار لم يقرأ. وحين تجف ينابيع الروح تضيق الصدور بأهون الأسباب وتكثر الخلافات الزوجية وتتفكك الروابط الأسرية لأتفه المسائل.وتعم القسوة وتتراجع الرحمة. ونحن نرى اليوم مصداق التحذير القرآني البليغ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. فعندما يغيب استحضار الآخرة من حسابات السعي اليومي ينسى الإنسان حقيقة ذاته ويظن واهما أن قيمته مرهونة بما يملكه من عقار أو منصب أو شهرة فيبقى أسيرا لشهوة الجمع حتى يباغته الأجل وهو بعدُ لم يبدأ العيش الحقيقي إننا بحاجة ملحة اليوم إلى إعادة ضبط البوصلة قبل فوات الأوان وقبل أن نصل إلى خريف العمر لنكتشف أننا حصدنا الريح. نحتاج إلى شجاعة التوقف والمراجعة شجاعة أن نغلق هواتفنا لساعات نقضيها في كنف آبائنا وأمهاتنا نقبّل أيديهم ونستمع لحكاياتهم التي كررها الزمان فشمسهم آذنت بالغروب ولا ندري متى يغلق باب البر الأكبر. نحتاج إلى أن نمنح زوجاتنا وأبنائنا وقتا نوعيا خالصا لا ينازعهم فيه بريد إلكتروني ولا مكالمة طارئة يمكن تأجيلها وأن نجعل من بيوتنا واحات للأمان الروحي والتربية الصالحة بدلاً من أن تكون فنادق للنوم واستعراض الأثاث. نحتاج أن نسترد بركة الوقت بالعودة إلى السنن الإلهية البسيطة: صلاة الفجر في وقتها وورد القرآن اليومي بتدبر ولقمة حلال طيبة نشكر الله عليها بقلوب خاشعة وصدقة سر تُطفئ غضب الرب وتجلب البركة في الرزق والولد إن العمر ليس بما قضيناه من سنين في البناء المادي للأرض بل بما عمرنا به قلوبنا من التقوى وما تركناه في نفوس الآخرين من أثرٍ صالح وخلق كريم. ابن مستقبلك واجتهد في عملك ونافس في ميادين التميز كما أمرك دينك لكن إياك أن تجعل بناء الجدران سببا في هدم الإنسان الذي يسكنها. إياك أن تشتري الدنيا بخسارة نفسك وأهلك ودينك. فما أتعس من بنى قصرا عاليا وشيّد مجدا عريضا ثم التفت خلفه في ساعة الرحيل فلم يجد حوله يدا تدعو له بصدق ولا نفسًا تذكره بخير ولا قلبًا سليما يلقى به ربه! فلنتعلم كيف نعيش الحاضر بوعي وشكر وكيف نضع الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا لكي نبلغ الغاية بسلام ونحن ما زلنا نحتفظ بأجمل ما فينا: فطرتنا النقية، وإنسانيتنا الحية، ووجهنا الصادق أمام بارئنا.




