كاتب ومقال

فوضى التريندات.. من يعيد ضبط بوصلة الوعي العام؟

بقلم: شحاتة زكريا

نعيش اليوم في عصر تتسارع فيه دقات الزمن وتتلاطم أمواج المعلومات على شاشات تفاخر بصخبها وحرارة أضواءها حتى كأننا أصبحنا أسرى لتيار جارف لا نعرف أين يلقي بنا. لم يعد خطر العصر مقتصرا على ندرة المعرفة أو صعوبة الحصول عليها بل انحصر في طوفان الزبد الذي غطى على عيون الحقائق وأصبح لزاما على كل صاحب كلمة حرة وكل عقل يزن الأمور بميزان الوعي والمسؤولية أن يقف وقفة متأمل فاحص أمام ظاهرة تكاد تقتلع جذور الهوية وتعبث باستقرار العقول ظاهرة فوضى التريندات التي باتت تحرك الرأي العام بخيوط واهية لا تقيم وزنا لقيمةولا توقر علما ولا تحترم خلقا حين يتحول الفضاء الرقمي الذي وُجد ليكون جسرا للتنوير وبناء الحضارات إلى سوق عكاظ افتراضي تتصدره السفاسف وتنتفخ فيه رؤوس الهشاشة فإننا لا نكون أمام مجرد ترف استهلاكي أو فضول عابر بل نكون أمام تهديد حقيقي ومباشر لسلامة الوعي الجمعي للأمة. العقل البشري ليس مكباً لنفايات التفاهة والذاكرة الوطنية أطهر من أن تلوث بصخب المعارك المصطنعة والبطولات الزائفة التي تصنعها خوارزميات صُممت لتقايض وقت الإنسان وانتباهه بالعدم. إننا نرى كل صباح معركة وهمية جديدة وبطلا من ورق وقضية لا قيمة لها تشغل الملايين بينما تقبع قضايا البناء وهموم العمل الشريف وجهود المخلصين في صمت الميدان خلف سواتر النسيان. ولأن الكلمة أمانة تثقل كاهل الشرفاء فإن السكوت عن هذا العبث المنظم لم يعد مسوغا بل هو مشاركة صامتة في تدمير بوصلة الأجيال. إن الصحافة الراسخة والفكر الرصين الذي ينهل من معين القيم الأصيلة والدين الحنيف يرفضان تماما هذا الانزلاق نحو التسطيح. ديننا الحنيف، وتراثنا الخالد وثوابتنا الأخلاقية، كلها تأمرنا بالتثبت، وتحثنا على طلب العلو، وترفع شأن الكلمة الطيبة التي تثمر خيرا وتترك أثرا
صالحا في الأرض. يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم تنزيله: ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها”، وفي المقابل يحذرنا من الخبيث الذي “اجتُثت من فوق الأرض ما لها من قرار”. أين قرار هذه التريندات العابرة أمام ثبات الحق ورسوخ القيم؟ إنها كزبد البحر الذي يذهب جفاء ويبقى ما ينفع الناس في الأرض. إن الكاتب الحقيقي،
والصحفي الواعي الذي يدرك رسالته الإنسانية والوطنية لا يركض خلف لاهثات الإعجابات الوهمية ولا يبيع ضميره وقلمه على قارعة صخب السوشيال ميديا. إن وظيفته النبيلة هي أن يكون حارسا لثغور الوعي وسفيرا للحقيقة ومبصرا للناس بمواضع الخلل ومواقع الأمل في آن واحد. حين ينجرف الإعلام وصناع الرأي وراء موجة التريند الرخيص فإننا نفقد القدوة ونترك الساحة لمن لا علم له ولا خلق، ليقودوا قطيع الحيارى نحو متاهات الإحباط وفراغ الروح. من هنا تتأكد الحاجة الملحة لغربلة المشهد الإعلامي برمته وإعادة الاعتبار للأقلام الحرة والوجدان الحي الذي يعلي من شأن العمل والإنتاج والانتماء الحقيقي للوطن.
إننا بحاجة ماسة اليوم إلى ثورة أخلاقية وثقافية تعيد للكلمة هيبتها وللفكر وقاره. لا بد للمجتمع بأسرع ما يمكن أن يفرز الغثّ من السمين وأن يدرك أولياء الأمور والمربون أن حماية عقول أبنائنا من هذا الابتذال الرقمي لا تقل أهمية عن حمايتها من كل خطر مادي داهم. إن التحديات الكبرى التي تواجه أوطاننا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها وتحت وطأة أزمات عالمية وإقليمية متلاحقة تفرض علينا جميعا أن نكون على قدر المسؤولية. فهل يعقل أن نحارب التحديات الجسام بينما تنشغل قطاعات واسعة من شبابنا بمتابعة تفاهات لا تسمن ولا تغني من جوع؟ أم أن الأوان قد آن لأن نوجه طاقاتنا نحو البناء، والتعلم، وإتقان العمل، ودعم كل يد تُبنى وكل فكر يضيء؟ إن ضبط بوصلة الوعي العام ليس مستحيلا ولكنه يحتاج إلى إرادة جماعية وإلى شجاعة أدبية من أصحاب المنابر الشريفة ليرفضوا الانحناء لعاصفة التفاهة. يجب أن نرفع لواء النقد البناء وأن نسلط الضوء بصدق على النماذج المضيئة في مجتمعاتنا المعلم المخلص الذي يضيء عقول النشء والعامل المجد في مصنعه وحقله والطبيب الإنسان، وكل من يؤدي واجبه بضمير حي في صمت وإخلاص. هؤلاء هم التريند الحقيقي الذي ينبغي أن يحتفى به وهم الأبطال الذين تستحق سيرهم أن تتصدر الصفحات وتملأ القلوب فخرا واعتزازا فلنقف مع أنفسنا وقفة صدق ولنعد الاعتبار لحرمة الكلمة ونقاء الفكر. إن التاريخ لا يرحم من فرطوا في الأمانة وساهموا في تسطيح وعي أمتهم من أجل تفاعل عابر أو شهرة زائفة بل يخلد فقط أولئك الذين حملوا هموم مجتمعاتهم بصدق وكتبوا بمداد الضوء وكانوا مفاتيح للخير مغاليق للشر. طوبى لمن ضبط بوصلته على نجم الحقيقة وبقى صامدا كالسنديان الراسخ في وجه عواصف العبث والسطحية. الوطن الغظيم ينتظر منا الأعمق والأصدق وأبناؤنا يستحقون مستقبلا يزهو بالوعي والنقاء لا بالسراب والوهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى