كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| السبعينيات.. حرية وجمال

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

يتمتع مواليد سبعينات القرن الماضي بمجموعة من الخصائص لا أعتقد أنه سيكون من السهل على أجيال الألفية وزد والفا أن يفهموها، فنحن ننتمي إلى جيلٍ تشكَّل في صمتٍ، وحريةٍ بلا قيود، ومخاطرَ كانت جزءًا طبيعيًا من الطفولة، طفولة لو تكررت اليوم لكان أغلب الآباء في مواجهة القانون. ومع ذلك، تلك السنوات صنعت طريقة تفكير ما زالت تظهر في كيف نعقل الأمور، وكيف نتناقش، وكيف نثق، وكيف نحب، وكيف ننجو من قسوة الحياة أيضًا.

فنحن نشأنا في عالم يكاد يخلو من الرقابة. إن اختفيت خمس ساعات، لن يتوتر أحد، لا هاتف، لا تطبيق لتحديد الموقع GPS، فقط قد يملك بعضنا دراجة، وأصدقاء معدودين، ووعدًا للأهل بأن نعود إلى المنزل قبل حلول الظلام. وحتى هذا الوعد لم يكن ثابتًا دائمًا، وخاصة كلما كبرنا في السن.

هذه البيئة صنعت شيئًا نادرًا اليوم؛ إذ أصبح لدينا شجاعة في القدرة على السير في الحياة دون توجيه مستمر، فلا يزال بداخلنا ذلك الصوت الذي يقول “سأتدبر أمري بمفردي” حتى عندما لا نعرف من أين نبدأ.

ولفهم نفسية هذا الجيل حقًا، لا بد من النظر إلى ما سبقهم. فمعظمهم تربى على أيدي آباء عاشوا فترة الحرب العالمية الثانية أو وُلدوا بعدها بقليل. تخيّل أن ينشأ الطفل على يد أم أو أب رأى الخوف الحقيقي والتغيرات الكبرى والتضحيات التي لا تُنسى.

هؤلاء الآباء لم يكونوا يتحدثون كثيرًا، لم يشتكوا، لم ينهاروا، ولكنهم صمدوا ونقلوا شعور النجاة هذا إلى أبنائهم دون قصد.

لهذا نضج أبناء السبعينيات أسرع من غيرهم، فهم لم يتعلّموا المسؤولية بصورة نظرية، بل تنفّسوها في بيوتهم. ساعدوا، أصلحوا، ابتكروا حلولًا؛ إن تعطل شيء، لا يُستبدل بل يُصلَح، وإن ساءت الأمور، لا هلع بل تكيّف، لم تكن هناك فكرة أنه سيأتي من ينقذني، بل المنقذ كان أنت.

والتفصيلة التي ينساها كثيرون: العالم آنذاك فرض عليهم أن تكون لهم عمود فقري. رأوا آباءهم يعملون ساعات طويلة دون شكوى، ورأوا الجيران يتساندون دون افتعال، ورأوا الكبار يحملون ثقل الحياة بصمت.

هذه البيئة تصنع طفلًا مختلفًا، طفلًا يدرك أن الحياة جدية، لكن يمكن احتمالها، وأن المشكلات ليست استثناءً، بل جزء من الطريق، وأن المسؤولية ليست عقوبة، بل علامة حياة. لذلك صار أبناء السبعينيات أشخاصًا يُعتمد عليهم، لا لأنهم أرادوا ذلك، بل لأنهم لم يكن أمامهم خيار. ولهذا يشعرون اليوم أنهم أكبر من أعمارهم، لا جسديًا بل ذهنيًا، فنضجهم لم يأتِ من النظريات والتنظير، بل من مشاهدة الحياة الحقيقية عن قرب بلا مرشّحات وبلا ضجيج.

لذلك نجد فيهم شيئًا شاعريًا؛ فهم كانوا الجسر الذي قدم في عالمٍ قديم، بطيء، خشن، وصادق، وقدم في عالمٍ جديد، سريع، صاخب، ورقمي. يحملون ذاكرة زمن بلا إنترنت ولا شاشات، ويحاولون النجاة بها، وفي الوقت نفسه يشاهدون جيلًا يغرق في فائض من الأخبار والضوضاء. وربما لهذا يبدو الحوار مع شخص من تلك الحقبة مختلفًا، سيكون أكثر رسوخًا، أكثر حضورًا، بلا محاولة لإبهار أحد، وبلا سباق خفي، فثقتهم جاءت من طفولتهم، ومن صراعاتهم، ومن المسؤوليات التي حملوها قبل أن يعرفوا معنى كلمة المسؤولية.

إنهم يذكّروننا بحقيقة بسيطة: إن القوة لا تُعلَّم بل تمارس. والآن انظر إلى الجيل الجديد — مواليد ما بعد 2000 — تجد أيديهم وقد أمسكت الهواتف قبل أن تتقن ألسنتهم الكلام. تنبيهات، مقاطع، رسائل، خطوط زمنية، عقلهم يعمل بأقصى سرعة منذ الطفولة.

وهذا يظهر في كل شيء، فهم جيل يتعب سريعًا وينهار بسهولة، ويضيع تركيزه لأن ذهنه يبتلع في يومٍ واحد ما لم يره جيل السبعينيات في أسبوع كامل أو حتى أكثر. فمنصات التواصل الاجتماعي وإن كانت تمنحهم اتصالًا، لكنها تمنحهم ضغطًا بالقدر نفسه، فهم يقارنون أنفسهم دون وعي، ويشعرون بالتأخر حتى وهم يسيرون بشكل طبيعي. وكذلك فإن عقولهم لا ترتاح بالكامل لأن هواتفهم لا تتوقف، حتى لحظات الراحة تتحول إلى تمرير على الشاشة ومشاهدة مقاطع صغيرة، وهذه ليست راحة.

ولا يمكن إنكار أنهم جيلٌ ذكي ومبدع ومنفتح، ولكنه مع ذلك مرهق ذهنيًا ومستنزَف نفسيًا، ومثقل بما لم يضطر إليه أحد قبله. إنهم يكبرون في عالم أسرع مما يحتمله العقل البشري، ويحاولون النجاة، تنبيهًا وراء تنبيه، وخبرًا وراء خبر، ومهما شرحت لهم أو حاولت إظهار جودة الحياة في السبعينيات ومدى بهجتها فلن تستطيع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى