كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| ثمن الطرقة.. وقيمة الخبرة

من المؤكد ان الشباب هم عصب الأمة وان في حماسهم وتطلعاتهم وقود المستقبل، بالطبع لا خلاف على ذلك، لا خلاف على أهمية القوة والحماس والجسارة والتفتح والاقتراب من الواقع المعاش ولكن ما يُغفل أحيانًا ان يقال وان يذكر أن هذا الوقود قد يحترق سريعًا إن لم يجد عقول حكيمة توجهه، أو يدًا خبيرة تمسك بدفّة العجلة، ولا معنى ذلك أيضا ان الخبرة وحدها تكفي ولا حاجة للشباب وقدراتهم ولكن المقصود ان لكل مقام مقال ولكل مجال محدداته وهي ما تفرض نسبا معينة للتجاور بين الشباب و الشيوخ.

الأمثلة على أهمية الخبرة كثيرة منها ما يذكر عن انه في إحدى المصانع الكبرى توقفت ماكينة رئيسية عن العمل فجأة، حيث تجمهر المهندسون والتقنيون حولها، تفحّصوا لوحات التحكم، أعادوا تشغيل الدوائر، بدّلوا القطع، دون جدوى. وبعد أيام من المحاولات الفاشلة، تم الإعلان عن الحاجة لخبير خارجي، لمن يستطيع اصلاح العطل وله ان يطلب ما يشاء من الاجر، فالطبع حاول كثيرون ولكن باءت كل المحاولات بالفشل.، حتى اتى رجلٌ مسنّ يحمل حقيبة صغيرة، عرف الحضور نفسه بانه اتى لإصلاح العطل، أستهزئ به البعض، فهيئته لا تدل على معرفة وسنه لا تعطى انطباعا على قدرة ز لكنهم تركوه يحاول، فما كان منه الا ان دار حول الماكينة ببطء، ثم وضع أذنه عليها، ثم أخرج مطرقة صغيرة وطرق على أحد جوانبها طرقة واحدة… فعادت للعمل كما كانت.

وسط ذهول الحضور طلب ان يكون اجره عشرة آلاف دولار. فوجئ الجميع، وطلبوا منه تفصيل الفاتورة. كتب:

– دولار واحد: مقابل الطرقَة.

– 9999 دولارًا: مقابل معرفة أين ومتى وكيف أطرق.

هذه القصة – وإن بدت ساخرة – تلخّص جانبًا من الحقيقة المُهملة في عصرٍ يتسابق فيه الجميع نحو الحداثة الرقمية والسرعة والمظاهر. فبينما يبحث بعض الشباب عن طريق مختصر للنجاح، يكون رجل الخبرة قد مشى هذا الطريق عشرات المرات، وعرف المطبات والمخارج، وحفِظ أصوات العطب قبل أن تراها العين، فالخبرة ليست فقط تراكمًا للسنوات، لكنها تراكمٌ للفشل والتجربة، للاختبار والنجاة. من يدفع ثمن الخطأ مرة، لا يكرّره ثانية. بينما من يبدأ لتوه، قد يقع في الحفرة ذاتها مرتين أو ثلاثًا قبل أن يتعلم.

يُروى عن أحد الجراحين المشهورين، أنه أجرى عملية دقيقة في أقل من نصف ساعة، فعاتبه المريض على أجره المرتفع مقارنة بالوقت القصير. أجابه الطبيب: “أنت لا تدفع ثمن نصف ساعة… بل ثمن عشرين عامًا علّمتني كيف أجعلها نصف ساعة”.

ولعل المثال الأقرب إلى حياتنا اليومية هو حين يتعطل أحد أجهزة الحاسب، فيجتهد الشباب بتثبيت برامج، أو إعادة تشغيل، أو تغيير إعدادات، فيما يأتي خبير التكنولوجيا ليعرف من الوهلة الأولى أن المشكلة ليست في الجهاز، بل في كابل خلفي غير موصول بإحكام. تلك النظرة التي ترى ما لا يُرى، لا تأتي إلا بخبرة طويلة، وتجارب سابقة، ومواقف مشابهة.

هذا لا يعني الانتقاص من الشباب، بل العكس. إنما هي دعوة لإعادة التوازن كما قلنا في بداية المقال. فكما نحتاج إلى طاقة الشباب وابتكارهم، نحتاج إلى حكمة الكبار وبصيرتهم. لا يصح أن نزيح أحدهما لصالح الآخر، ولا أن نستخف بالزمن وقدرته على التهذيب والتدريب والصقل.

في كثير من المؤسسات الحديثة، نلاحظ ميلًا نحو توظيف الأصغر سنًا بحجج الكفاءة الرقمية أو الراتب الأقل، بينما يتم الاستغناء عن الأكبر سنا. وكأن المؤسسة تقول لذاتها: “دعونا نبدأ من جديد”. ولكن، ماذا عن دروس الماضي؟ من سيُذكّر الفريق بمخاطر القرارات المستعجلة؟ ومن سينقذ المشروع عندما لا تُجدي النظريات؟

الخبرة، باختصار، لا تُشترى… ولا تُورَّث. هي تُكتسب مع العرق، وتُصقل بالأخطاء، وتُثمر في وقت الأزمة. وكما قال أحد الحكماء:

“أسرع طريق للوصول هو أن تسأل من وصل قبلك”.

بقلم
المهندس زياد عبد التواب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى