كلمة ورد غطاها| الذكاء الاصطناعي عام 2050

دعونا نتخيل ان أحدنا قد امد الله في عمره ليستيقظ في أحد صباحات عام 2050، من المتوقع الا يندهش إن وجد نفسه محاطًا بكائنات غير حية بل تنتمي الى عالم الدوائر الكهربائية الالكترونية وشبكات الاتصالات فيجدها تتحدث بطلاقة وتفكر بسرعات فائقة وتمنحه مشورة علمية قانونية أو طبية أو نفسية دون أن يرتعش لها جفن ولا تطلب في المقابل إلا كهرباء وشبكة قوية. وربما اشتراك في الخدمة يدفع اوتوماتيكيا اول كل شهر.
لكن هل هذا التقدم المذهل سيكون خلاصًا للإنسانية، أم تهديدًا لكيانها؟ هل سنعيش في عصر “العقل المعزز” أم في ظل “الآلة المستقلة”؟ وهل سيكون الذكاء الاصطناعي خادمًا مطيعًا أم سيدًا جديدًا؟، ففي الواقع نجد أن ما نراه اليوم من قفزات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي – تلك التي تكتب، ترسم، تلحن، بل وتجادل – لا يمكن فصله عن ملامح المستقبل. فحين يصبح بمقدور البرامج كتابة روايات، وتشخيص أمراض، وتحليل مواقف جيوسياسية، بل وتوجيه طائرات قتالية، يصبح الحديث عن 2050 ليس خيالًا علميًا بل استقراءًا موضوعيًا.
في الطب مثلًا، من المرجح أن يتولى الذكاء الاصطناعي التشخيص الأولي بنسبة دقة تتجاوز 99%، اعتمادًا على تحليل ملايين الحالات السابقة ومتابعة دقيقة للتاريخ الجيني لكل مريض. لن نحتاج إلى الوقوف في طوابير العيادات، بل سنكتفي بمسح ضوئي أو تحليل دم عبر جهاز منزلي، لتصل النتيجة إلى “المساعد الطبي الذكي” الذي يصف العلاج ويقترح الطبيب البشري المناسب عند الحاجة ونفس الامر بالنسبة للعمليات الجراحية ستقوم الروبوتات بأغلبها وقد تتعلم الأساليب الإنسانية في تشجيع المريض ورفع روحه المعنوية.
في التعليم، قد تختفي الفصول التقليدية لصالح تجارب تعليمية مخصصة بالكامل لكل طفل. سيتلقى كل طالب نفس الدرس، لكن بأساليب مختلفة تمامًا، لأن الذكاء الاصطناعي سيكون قد درس مزاج كلٍّ طالب على حدة ومستوى الذكاء والقدرات والسلوك، وطريقة الفهم وسرعة الاستيعاب.
أما على الصعيد العسكري، فالأمر أقل تفاؤلًا. فكما أن للسكين استخدامين، فإن الذكاء الاصطناعي قد يصبح أداةً للحروب بالوكالة، تطلق فيه الدول جيوشًا من البرمجيات والروبوتات تتقاتل دون خسائر بشرية مباشرة، لكنها قد تجر وراءها دمارًا معنويًا وخرابًا اقتصاديا وسياسيا. سيحدث ذلك وكلما اندلعت حربا من هذا النوع يتساءل الجميع عن ماذا لو تمردت هذه الأنظمة أو اخترقها طرف ثالث؟ هل نملك الأطر القانونية التي تحاكم آلة؟ أو تدين قرارًا اتخذته خوارزمية؟
في عالم الفنون، سنرى الأوبرا تُؤلف آليًا، واللوحات تُرسم لحظيًا حسب مزاج المبدع وذائقه الجمهور. وربما يجلس الشاعر الحقيقي في ركنه، يتأمل قصائد كُتبت بلغة نقية، لكنها بلا روح او إحساس يعاني. هل هذه نصوص أم محاكاة؟ وهل الإبداع ممكن بدون معاناة إنسانية؟
عام 2050 إذًا ليس بالضرورة ان نكون في المدينة فاضلة أو في كابوسا ديستوبيًا. فالاحتمال مفتوح على السيناريوهين. وسيكون السؤال الحقيقي عمن يمسك بعجلة القيادة؟ البشر أم مخططات الشركات؟ المعرفة أم السوق؟ الأخلاق أم الخوارزميات؟
عدودة الى عام 2025 حيث يجب علينا ان نعى إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يُكتب وحده، بل يجب ان نكتبه نحن، بمواقفنا، وقيمنا، وتشريعاتنا، ودرجة وعينا بأن “العقل الاصطناعي” ليس بديلًا للعقل البشري، بل مرآة له. فإما أن يرى فيها الإنسان صورته المتحضرة، أو يرى ظلًا قاتمًا لعالم لم يعد يعرف الفرق بين الخير والشر.




