كاتب ومقال

إبداعات كلمتنا| “عدالة أم ذكي”

لم يعد للحارة حديث صباحًا ومساءًا إلا حكاية وداد وإنجابها طفلين من الذكور في بطن واحدة من فرج الفرّان، بعد أن إنصاع ذكي لفرمان والدته الصارم وطلق وداد العاقر أو الأرض المالحة كما كانت تصفها أم ذكي، تزوجت بعدها بخمس شهور من فرّان الحارة الأرمل وفي غضون أشهر معدودة كانت بطنها المنفوخة هى أميز شئ في الحارة،

لم تتوقف الألسن عن الثرثرة والغالبية في حالة شماتة عارمة في أم ذكي المرأة المتجهمة الوجه الصارمة صاحبة الذراعين المغلفين بالأساور الذهبية وقد ظهرت الحقيقة واضحة وضوح الشمس، لم تكن وداد أرض مالحة أو بور، بل كان العيب والنقص في ذكي وارث والده أغنى تجار الحارة والتؤام خير إثبات ودليل،

نظرات نساء الحارة تحولت لسهام برؤوس سامة تخترق صدر أم ذكي كلما خرجت من بيتها، الكل أخذ صف وداد وإعتبروها ضحية الحماة الشريرة الظالمة ورد الله كيدها في وحيدها وأصبحت فضيحة ذكي أشهى وجبة على موائد نميمة أهل الحارة،

تمكن الغيظ من أم ذكي لدرجة الإعياء والنوم في الفراش وإستدعاء الحكيم لرؤيتها، بينما ذكي وحده بات غارقًا في الحزن والإكتئاب بعد فقد وداد، طلقها مرغمًا تلبية لرغبة والدته ونفذ فرمانها بلا حول ولا قوة، ورث عن والده البيت والدكان والمال ومعهم الخوف من أم ذكي والعجز التام أمامها وأمام فرمانتها الغير قابلة للمعارضة أو النقاش،

بعد أن تعافت أم ذكي بفضل دواء الحكيم وعادت للخروج ومواجهة سهام نظرات نساء الحارة الشامتات وفرحتهم فيها، توجهت كالسهم المنطلق نحو بيت محجوب الخُضري، أحد فقراء الحارة ومساكينها وله إبنة رزقت من الأنوثة ما يوازي ثراء كسرى ويفوق ثراء ذكي وأم ذكي مئات المرات، بيضاء بلون اللبن الصافي وخدود بلون التفاح وشفاه ممتلئة شهية بلون الرمان،

إحتار محجوب بعد زيارة أم ذكي وجلس مهمومًا بين فرحة أن يزوج إبنته تحية لذكي المعروف بين أهل الحارة بعجزه عن الإنجاب وضمان حياة العز لها، وبين الرفض وضياع فرصة لن تتكرر مرة أخرى ونسب لم يتخيله يومًا في أكثر أحلامه جموح،

تحية حسمت حيرته وهى تُظهر فرحتها بخبر زيارة أم ذكي، رغم حكاوي الحارة يظل ذكي أحد أوسم رجال الحارة وأجملهم طلة وطلعة،

تجمعت كل حناطير الحواري المجاورة في حفل زفاف أصرت أم ذكي أن يُصبح حديث أهل الحارة لسنوات، الحديث عن الفرح سينسيهم بشكل كبير حديثهم عن تؤام وداد وفرج الفرّان،

جلسات نساء الحارة على مصاطب البيوت تحولت لأبراج مراقبة منذ فجر صباحية ذكي وتحية، أم فوزي الداية قالت أن من الممكن أن ينجب ذكي من تحية وأن ما حدث مع وداد قسمة ونصيب وهتفت بثقة وحماس في إحدى جلسات النساء “أنا ياما شفت وصادفت.. ياما دكره ما ولفتش على نتي وولفت على غيرها وجابت البنت والولد”

الكل في وضع تأهب وإنتظار إلا أم ذكي، ظلت صامتة مبتسمة لا تفعل شئ سوى تقديم صواني المشمر والمحمر لذكي وتحية حتى أتموا أسبوعهم الأول وعاد ذكي للدكان وصحبت أم ذكي تحية لزيارة بيت مولانا السنديوني، كل نساء الحي يعرفوه ويقصدوه لحل مشاكلهم، الرجل سره باتع ولم يُسمع عنه أنه فشل أو أخفق من قبل،

توترت تحية وإرتبكت ولكن من شدة خوفها من أم ذكي جلست بجوارها ساكنة صامتة في حضرة مولانا السمنودي، ناولها قارورة صغيرة وأمرها بشربها وبعدها لم تعد تعي أو تشعر بشئ حتى فتحت عيناها ووجدت نفسها ممدة فوق فرشة من القطن وبجوارها أم ذكي جالسة مبتسمة تربت عليها بطيبة دخيلة على ملامحها الصارمة،

شعرت بحدوث شئ ما ولم تجد إجابة من حماتها غير جمل قصيرة مقتضبة أن مولانا لم يفعل شئ سوى قراءة تعاويذه عليها ومباركة جسدها بالعطر والبخور والماء المبروك كي تجلب لذكي الولد،

لم تضيع زيارة السمنودي هباءًا وبعد بضعة شهور كانت بطن تحية المنفوخة حديث أهل الحارة ومصدر تعجبهم، حملت تحية وفعلت ما لم تستطع وداد فعله،

وضعت تحية ولد بملامح الماء المبروك وعادت أم ذكي تصول وتجول في الحارة برأس مرفوع وكلما سألتها إحدى جيرانها، أجابت بخشوع واضح: الحمد لله ربنا نصر إبني.. أصل ربنا ما يرضاش بالظلم أبدًا.

بقلم
أحمد عبد العزيز صالح

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى