تاج الحضارة على أرض الفراعنة.. تعظيـم سلام

في لحظة لا تشبه سوى أساطير مصر القديمة، فتحت القاهرة ذراعيها لتحتضن العالم وتشاركه افتتاح أعظم متحف عرفته البشرية: المتحف المصري الكبير، عند سفح الأهرامات، حيث وقف الزمن مندهشًا أمام فكرة أن الحضارة يمكن أن تُبعث من جديد، لا من الحجر فقط، بل من الإرادة.
ساعات مرت في لمح البصر، تحمل في طياتها عبق الإبداع ونسيم الحضارة الخالدة، التي لا تنفك تبهر العالم في كل يوم، وكأنها تقول للزمن: دونك فليس بعد النهاية!
إنها القصة التي نُسجت بعض خيوطها في أفلام العبقري شادي عبد السلام، وكأنك تسمع تراتيل المصري القديم في صلواته:
لكَ الخُشوعَ يا ربَ الديار ..
أنت يا من تسكُنُ في قلب البيتِ الكبير ..
يا أمير الليلِ والظلام ..
جئتُ لكَ روحاً طاهراً ..
فهَب لي فماً أتكلمُ به عِندك ..
و أسرع لي بقلبي ..
يوم أن تتثاقلُ السُحُب ويتكاتف الظلام ..
أعطني اسمي في البيتِ الكبير ..
و أعِد إلى الذاكرة اسمي ..
يومَ أن تُحصى السنين..
* من فيلم المومياء المصري 1969
للمخرج: شادي عبد السلام
جاءت هذه الكلمات على لسان الممثل الكبير محمد خيري الذي لعب دور مفتش الآثار والتي افتتح بها المخرج الكبير فيلمه الخالد في ذاكرة السينما المصرية.
وعلى خطى العظيم شادي عبد السلام لا نجد اعظم منها بداية أيضًا لحدث جلل يحكي رحلة تم الكشف عنها والاحتفال بها في 1 نوفمبر 2025 على مرأى ومسمع من العالم أجمع.
* بين الأهرامات والمستقبل:
المتحف الكبير الذي يقع في موقع استراتيجي مميز على بُعد أميال قليلة من غرب القاهرة بواجهة تطل على الاهرامات، لا يجاور الأهرامات اعتباطًا؛ بل يقف في حوار بصري وروحي معها. فبينما تخبرنا الأهرامات عن سر الخلود، يجيب المتحف عن سر المعرفة. فهو ليس مبنًى فحسب، بل مشروع وطني ضخم بدأ حلمًا قبل أكثر من عقدين، وها هو تحقق أمام العالم، كأن الفراعنة أصرّوا أن تعود مصر لتتحدث من جديد بلغة العظمة.
تصميمه المعماري يُشبه كتابًا مفتوحًا على التاريخ. جدرانه الزجاجية تلتقط ضوء الشمس ليعانق تمثال رمسيس الثاني في بهو المدخل، وكأن الملك الذي حكم منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام عاد ليستقبل زواره بابتسامة يعرف فيها أن مجده لم يندثر.
* ذاكرة العالم في قلب الجيزة:
يضم المتحف أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، منها ما يُعرض للمرة الأولى، تمثل رحلة مصر من فجر التاريخ حتى العصرين اليوناني والروماني. أما الكنوز الكبرى مثل مقتنيات توت عنخ آمون، فقد نُقلت بعناية وُصفت بأنها الأعقد في تاريخ النقل الأثري. كل قطعة هناك ليست مجرد أثر، بل سرد صامت لحياة كاملة.
لكن السحر الحقيقي لا يكمن فقط في القطع الذهبية أو التوابيت المذهبة، بل في الطريقة التي تُروى بها القصة. فالتقنيات الرقمية والعروض التفاعلية تجعل الزائر شريكًا في الحكاية لا مجرد متفرج.
يمكنك أن تسير في ممرات الزمن، ترى الورش التي صنع فيها المصري القديم تماثيله، وتسمع أصواتًا تحاكي طقوس التحنيط، وكأنك تتنفس هواء طيبة القديمة.
* رمزية اللحظة:
لم يكن افتتاح المتحف حدثًا أثريًا فقط، بل إعلانًا صريحًا عن استعادة مصر لريادتها الثقافية في العالم. بعد سنوات من التحديات، يأتي ليؤكد أن التاريخ لا يُحفظ في الكتب وحدها، بل في الإرادة التي تصونه وتعيد تقديمه للأجيال. وهي دعوة مفتوحة للعالم ليزور مصر، لا كوجهة سياحية فحسب، بل كذاكرة إنسانية حية. كل حجر هناك يقول للعالم:
«لقد كنا هنا منذ الأزل، وما زلنا نكتب الحكاية».
إنه أكثر من متحف.. إنه بيان حضاري يؤكد أن مصر لا تعيش على مجد ماضيها، بل تُعيد تفسيره، وتضعه في قلب المستقبل.
* تاج الحضارة:
وكعادة مصر درة تاج العالم مازالت تحوي الكثير والكثير من الابهارات والابداعات في جعبتها بإحترام وإحتراف يجيد فن احتضان العالم تحت لواء تاريخ كبير وعظيم.
أهلاً وسهلاً بالعالم أجمع في حضرة مصر القديمة، مصر العظيمة، مصر المكانة، مصر المهابة، مصر درة تاج العالم وأم الدنيا.




