كاتب ومقال

رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| الاقتصاد الرمادي.. كيف تُدار الأموال في الظل؟

وسط تعقيدات المشهد الاقتصادي العالمي يبرز مصطلح “الاقتصاد الرمادي” كأحد المكونات الحيوية التي يصعب تجاهلها خاصة في دول تشهد تحولات اقتصادية كبرى مثل مصر. فالاقتصاد الرمادي أو غير الرسمي ليس شبحا غامضا كما يُصوَّر أحيانا، بل هو واقع معيش، له وجوه عديدة، ويمثل في بعض الدول أكثر من 40% من الناتج المحلي ويشمل الملايين من العاملين من بائع الخضار وحتى الصنايعي والحرفي والموظف غير المقيَّد.

ومع أن هذا الاقتصاد لا يخضع بالكامل للقوانين والضرائب إلا أنه لا يعني بالضرورة التهريب أو الجريمة بل هو في كثير من الأحيان محاولة من المواطنين للعيش والعمل في ظل غياب فرص العمل الرسمية أو تعقيدات الإجراءات القانونية أو غياب آليات دمج فعالة.

ما يُحسب للدولة المصرية اليوم أنها لم تكتفِ بوصف الظاهرة، بل قررت التعامل معها بواقعية عبر استراتيجيات متكاملة تهدف إلى ضم الاقتصاد الرمادي ضمن المنظومة الرسمية، بما يحقق مصلحة الجميع. فالمسألة ليست فقط جمع ضرائب بل تنظيم سوق العمل وحماية العامل وزيادة الإنتاجية ورفع كفاءة الاقتصاد الكلي.

التحرك نحو دمج الاقتصاد الرمادي هو خطوة شجاعة تُحسب لصنّاع القرار لأن هذه الخطوة لا تأتي بمجرد قرار إداري بل تحتاج إلى فهم لطبيعة هذا الاقتصاد وأسبابه والمحفزات التي تجعل ملايين الأفراد يفضلون العمل خارج الإطار الرسمي. من هنا جاءت مبادرات الدولة لتبسيط إجراءات التراخيص، ودعم المشروعات الصغيرة وإطلاق برامج التحول الرقمي وتسهيل الوصول إلى التمويل.

لقد نجحت الدولة المصرية في السنوات الأخيرة في مد جسور الثقة مع شرائح واسعة من العاملين في الاقتصاد غير الرسمي من خلال إدخالهم تدريجيا في منظومة الدعم والخدمات الصحية، والحماية الاجتماعية وهو ما يُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن من علاقة رقابية إلى علاقة شراكة.

ولعل أبرز الأمثلة على هذا النجاح هو ما تحقق في قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذي بات يشكل أحد أذرع الاقتصاد الوطني. إذ لم تكتف الدولة بتمويل هذه المشروعات بل عملت على تقنينها وتدريب أصحابها ودمجها في الاقتصاد الرسمي بما يسمح لها بالنمو والمنافسة.

كما أن اتجاه الدولة إلى التحول الرقمي وتوسيع قاعدة الدفع الإلكتروني وإنشاء منظومة موحدة للضرائب والفواتير كلها أدوات ذكية تُقلل من الهدر وتزيد من الشفافية وتُغري الاقتصاد الرمادي بالتحول إلى النور ، ليس بالقوة بل بالمصلحة.

ولا يمكن أن نغفل هنا أن دمج الاقتصاد الرمادي يُعد بمثابة كنز مفقود في مسار التنمية. فهو اقتصاد حقيقي نابض بالحركة والعمل ، يحمل طاقات إنتاجية ضخمة لكنه بحاجة فقط إلى إطار تنظيمي عادل لا يُعاقب بل يُحفز ولا يُقصي بل يُمكّن.

الدولة المصرية تُدرك جيدا أن المعركة الحقيقية ليست فقط مع التضخم أو الديون، بل مع الاقتصاد غير المستغل. لذلك فإن فتح أبواب النظام الرسمي أمام العاملين في الظل وتوفير الحوافز والحماية لهم، يمثل قفزة نوعية نحو اقتصاد أكثر قوة وعدالة واستدامة.

ولا شك أن ما يتحقق اليوم من إصلاحات هيكلية وتهيئة بيئة العمل وتحسين مناخ الاستثمار، وإطلاق مشروعات قومية ضخمة هو ما يُعطي الدولة القدرة على احتواء هذه الكتلة الاقتصادية الهائلة، وتحويلها من عبء محتمل إلى رافعة تنموية حقيقية.

وفي نهاية المطاف فإن الاقتصاد الرمادي ليس عدوًا بل هو شريك مؤجل. وكل جهد يُبذل لدمجه هو خطوة نحو دولة أكثر شمولا واستقرارا. فحين يصبح لكل عامل غير رسمي رقم تأميني ولكل مشروع صغير سجلٌ ضريبي نكون قد اقتربنا من دولة تُنتج وتُراقب وتُخطط وفق بيانات حقيقية.

الرهان ليس على إلغاء الاقتصاد الرمادي، بل على تحويله تدريجيا إلى اقتصاد مرئي من خلال أدوات الدولة الحديثة وسياساتها المرنة وإرادتها الصلبة. وهنا يكمن جوهر الإصلاح العميق: تحويل الظل إلى نور وتحويل الفوضى إلى نظام وتحويل التحدي إلى فرصة.

بقلم:
شحاتة زكريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى