كلمة ورد غطاها| في الذكاء الاصطناعي.. الأمم المتحدة تتحرك أيضًا

في الثامن عشر من أغسطس عام 2025، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار جديد تحت الرمز (A/79/L.118)، يتناول واحدًا من أكثر الملفات حساسية وإلحاحًا في عالمنا المعاصر، ملف الذكاء الاصطناعي، فمن يقرأ نص القرار يدرك أنه ليس مجرد محاولة لإثبات الوجود والتواجد في هذا المضمار، بل هو محاولة جادة لوضع إطار مؤسسي وعلمي للتعامل مع ثورة الذكاء الاصطناعي، بعيدًا عن الاستخدامات العسكرية، وبما يخدم مستقبل التنمية المستدامة وأهدافها المعروفة.
القرار يتأسس على مبدأين رئيسيين، الأول هو إنشاء لجنة علمية دولية مستقلة للذكاء الاصطناعي، والثاني هو إطلاق الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي واللافت أن النص حرص منذ البداية على التأكيد أن مجالات عمل اللجنة والحوار ستقتصر على الاستخدامات المدنية وغير العسكرية، وكأن المجتمع الدولي يقر ضمنيًا بأن ملف الاستخدامات العسكرية للذكاء الاصطناعي ما زال منطقة شائكة من الصعب التوافق حولها في الوقت الراهن.
اللجنة العلمية المستقلة التي ينص القرار على إنشائها ستضم أربعين خبيرًا من مختلف أنحاء العالم، يتم اختيارهم وفق معايير الكفاءة والتنوع الجغرافي والتوازن بين الجنسين، مع اشتراط ألا يزيد عدد ممثلي أي جنسية واحدة عن شخصين فقط، اللجنة ستنتخب رئيسين مشتركين -من دولة متقدمة وأخرى نامية-ونواب للرئاسة، ولها حق تشكيل مجموعات عمل واستشارة خبراء خارجيين، هذه اللجنة لن تكون مجرد هيئة استشارية تقليدية، بل سيُناط بها إصدار تقارير علمية سنوية تُقيّم الفرص والمخاطر والتأثيرات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، على أن تكون هذه التقارير غير ملزمة سياسيًا لكنها ثرية بالمعرفة العلمية التي يحتاجها صانع القرار.
أما المحور الثاني، وهو الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، فيبدو أكثر طموحًا، فالقرار يدعو إلى عقد منصة سنوية تجمع الحكومات وأصحاب المصلحة، من شركات وباحثين ومجتمع مدني، لمناقشة كل ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي من أمان الأنظمة وموثوقيتها، إلى قضايا الشفافية والمساءلة واحترام حقوق الإنسان، وصولًا إلى تعزيز النماذج مفتوحة المصدر وسد الفجوات الرقمية بين الدول المتقدمة والنامية وبذلك يتحول الحوار إلى مساحة جامعة تُحاول أن تبني لغة مشتركة في موضوع كثيرًا ما يفرّق الدول أكثر مما يجمعها.
لكن إذا حاولنا أن نتعمق أكثر في خلفية هذا القرار، سنجد أن الدافع الأساسي وراءه هو الخوف من الفجوة المتسارعة بين الدول في مجال الذكاء الاصطناعي، فبينما تستثمر القوى الكبرى مليارات الدولارات في تطوير تقنيات متقدمة، تجد الدول النامية نفسها مهددة بأن تتحول إلى مجرد مستخدم متأخر للتكنولوجيا، دون قدرة حقيقية على المنافسة أو حتى على فهم التحديات الأخلاقية التي تفرضها هذه الثورة ومن هنا جاء التركيز في القرار على بناء القدرات، خاصة في مجالات الحوسبة الفائقة وتدريب الكوادر، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًا لتحقيق العدالة الرقمية وتقليص تلك الفجوة.
والسؤال هو، هل يكفي هذا المشروع لتحقيق الغاية المرجوة، من الناحية النظرية، يُعد القرار خطوة إيجابية للغاية، إذ يضع الأساس لحوار متعدد الأطراف، ويمنح صوتًا للعلماء والخبراء بعيدًا عن الحسابات السياسية، لكن من الناحية العملية، قد يواجه تحديات عديدة، منها ضعف الالتزام الطوعي من بعض الدول وتضارب المصالح بين القوى الكبرى وعدم كفاية التمويل اللازم لدعم مشاركة الدول النامية.
تأتي مبادرة وقرار الأمم المتحدة بعد أن فشلت شركات التكنولوجيا العملاقة، بما لديها من موارد وقدرة على الابتكار على تنظيم وصياغة قواعد اللعبة على أرض الواقع أو هكذا هو الحال حتى الآن ولكن وفي جميع الأحوال يمكن اعتبار أن مشروع القرار يعكس إدراكًا عالميًا متزايدًا بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قضية تقنية، بل أصبح قضية حضارية تمس مستقبل البشرية بأكمله وبينما يضع هذا النص حجر الأساس لإطار دولي نحتاجه بشدة، يبقى الرهان على التنفيذ الفعلي، وعلى قدرة المجتمع الدولي على تحويل المبادئ المكتوبة إلى سياسات واقعية تحمي الإنسان وتفتح أمامه آفاقًا جديدة من التقدم.




