كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| الإمام الغزالي والذكاء الاصطناعي

في الجزء الرابع من كتاب “طبقات الشافعية الكبرى” لحافظ تاج الدين السبكي، حكاية عن حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي، “أنه كان في إحدى رحلات السفر، إذ قطع اللصوص عليه الطريق، وأخذوا منه مخلته التي فيها كتبه وكراريسه؛ ظنًّا منهم أنها تحتوي على نقود ومتاع، وساروا في طريقهم. فتبعهم أبو حامد وأخذ يلحّ عليهم أن يعيدوا له أوراقه وكتبه التي هاجر من أجلها، ومعرفة ما فيها؛ وقال لهم: خريطتي لا تُفيدكم بشيء، أعيدوها إلي.

فقال له رئيسهم: وماذا في الخريطة؟ قال: قلتُ: كتبي، علوم درستها وهي محفوظة في هذه الخريطة.

فضحك كبير اللصوص وقال له: كيف تزعم أنك عرفت علمها، وعندما أخذناها منك أصبحتَ لا تعلم شيئًا وبقيتَ بلا علم؟!

ولكنه أشفق عليه آخرًا وسلّمه الكتب وأطلقوا سراحه هو ومن معه. وعن هذه الحادثة يقول الغزالي: هذا مستنطق أنطقه الله ليرشدني به في أمري، فلما وافيت طوس أقبلت على الاشتغال ثلاث سنين حتى حفظتُ جميع ما علقتُه، وصرت بحيث لو قطع عليَّ الطريق لم أتجرد من علمي”.

الواقعة، على بساطتها، أحدثت فرقًا كبيرًا في حياة الإمام، وبدأ في الاشتغال على نفسه وعلى عقله ليتزود ويكون علمه في عقله لا في مجموعة من الكتب، فإن سرقت أو تلفت ضاع علمه تمامًا.

للأسف، في عصر الذكاء الاصطناعي، الأمر يزداد سوءًا. فليست القضية قضية حفظ للمعارف سواء في صورة ورقية أو إلكترونية، بل أصبحت الإشكالية أكثر تعقيدًا. فالاعتماد المفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي في القيام بالمهام العقلية من رصد وتحليل ومقارنة وصياغة ورسم مسارات ووضع بدائل للقرارات، سيؤدي بالعقل البشري إلى التراجع، بحيث إذا اختفت أدوات الذكاء الاصطناعي، عاد الإنسان إلى عقله ليجده لا يقل عن عقل طفل في العاشرة، لا يهتم إلا باللعب واللهو.

لذلك، فإن الاتزان مطلوب. لا أقول إن نترك تلك الأدوات ونخاصمها، بل يجب علينا الانتباه طوال الوقت للإبقاء على العقل متقدًا وفي كامل هيئته ولياقته. وهي عملية مصيرية يجب أن توزن لدى كل واحد منا بميزان حساس، ونستمر في بذل المجهود مهما بدا الاتكال على تلك الأدوات براقًا أو مريحًا.

بقلم
المهندس زياد عبد التواب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى