إبداعات كلمتنا| “عيد ميلاد صالح”

تركت نسرين جسدها يسقط فوق الأريكة العريضة بصالة الشقة من فرط تعبها وهى تزفر بإعياء بعد ما بذلته من مجهود كبير طوال اليوم، مسحت عرق جبينها وهى تلقي نظرة أخيرة على صالة الشقة، كل شئ على ما يرام كما خططت منذ أسابيع،
اللون الأحمر الزاهي يكسو كل الأركان، أوراق زينة وبالونات على شكل قلوب وفي المنتصف طاولة الطعام مفروشة كلها بالزهور وتتوسطها تورتة كبيرة مطبوع عليها صورة زوجها صالح وبمنتصفها شمعة واحدة لا غير، صالح لا يحب أن يُذكره أحد بأنه أتم عامه السادس والأربعين، رغم أنه لم يفكر في صبغ شعره الأبيض وتركه على حاله يُقر ويعترف بتخطيه منتصف العمر، إلا أنه يشعر بإكتئاب شديد يظهر عليه بسهولة على شكل عصبية زائدة عن اللزوم وفي أكثر الأحيان أضخم بكثير من قدر الحدث وأهميته،
آخرون تخطوا السبعين من عمرهم ولا يشعروا بمثل إكتئابه ويخططون لغدهم وكأن مازال أمامهم سنوات طويلة تحمل المستقبل لهم،
وحدها تعرف ما يدور بداخل روحه وما يشعر به ويحاول اخفاءه عن الجميع.. فيما عدا هى، إعتاد على ذلك من سنوات طويلة، لا يعرف أحد حقيقة ما يشعر به وأسبابه الحقيقية سوى هدى وهدى فقط،
إضاءة خافتة رومانسية ولم تشعل غير مصباح واحد يعلو لوحة خشبية مُعلقة بمنتصف الصالة بها عدة صورة مجمعة له، صنعتها خصيصًا لتجلس أمامها وتتأملها بعشق في أوقات غيابه، لقطات متعددة وهو يضحك وهو يبتسم وأيضًا وهو شارد أو قاطب حاجبيه، في كل حالاته ترى شئ ما يجذبها نحو ملامحه ونحو رغبة جامحة لم تفارقها منذ يومهم الأول في دوام رؤيته والتحديق في وجهه وشم رائحته وحتى رائحة دخان سيجارته التي لا تفارق أصابعه،
إرتدت فستانها الأزرق القصير وأتمت زينتها وتأملت هيئتها أمام المرآة وهى تبتسم رغمًا عنها وهى تتذكر مشاجرتهم بسبب هذا الفستان، ثار وإنفعل وظل يصرخ لعدة دقائق وهو يوبخها بسببه وبسبب تصميمه الذي يُظهر مفاتنها بشكل واضح، غيرته تشبه حرب نووية من دولة معتدية لا تحترم قانون أو تعترف بمعاهدات، يفقد عقله ويرتجف جسده ويتلعثم وتطاير من فمه الكلمات والعبارات دون أدنى سيطرة منه، حالة هياج لا يمكن لأحد جمحها غيرها، هى من تُشعل النار ووحدها من تملك القدرة على إخمادها، فقط تلوي فمها بحزن كالأطفال كأنها تهم بالبكاء، صورة تجعله يصمت فجأة عن صراخه ويتبخر غضبه ويتوقف بالمنتصف كما يتوقف ويَعلق المصعد بين الأدوار عند إنقطاع الكهرباء، تدمي قلبه صورتها وهى حزينة وخائفة من ثورته، عندها يتحول فجأة ويضمها لصدره ويقبل جبينها ويعتذر لها عن غضبه ويطلب منها برقة ألا ترتدي فستانها المثير مرة أخرى أمام أحد غيره، ترد قبلته فوق جبينها بأخرى فوق شفتيه وهى تجلس فوق فخذيه وتلف يديها حول رقبته وتهمس له برقة أنها لا ترغب في أن يراها أحد جميلة غيره هو فقط،
دقائق ويصل صالح، لم يتأخر عن موعد حضوره من قبل، بل أنه كثيرًا ما يصل قبل موعده بعدة دقائق، إحترام الوقت وإحترام أهميته سمته الدائمة وسبب غضبه من المستهترين وأصحاب ردود الفعل الباردة الغير مكترثين بأهمية الوقت، عطرت عنقها بعطرها الخاص المميز وتفحصت وجهها للمرة الأخيرة قبل أن تغادر غرفتها وتخرج للصالة وتجلس أمام لوحة صوره المجمعة وتنظر نحوها بتأمل وشجن وتنتظر وصوله وسماع صوت مفاتيحه المحبب لأذانها ولقلبها،
– إتأخرت كده ليه يا صالح؟
غمض عينيك وما تفَتحش غير لما أقولك
قادته نحو الصالة وهى تدندن له بأغنيتهم المفضلة -أهرب من قلبي أروح على فين.. ليالينا الحلوة في كل مكان- وقفت تحت لوحة صوره المُعلقة أمام تورتة عيد ميلاده وهى ترفع يديها عن عيناه وتسمح له بالرؤية وتضمه من ظهره وهى تسند خدها على كتفه وتقول بسعادة،
– كل سنة وأنت طيب يا حبيبي وحبيب عمري
دندنت الأغنية الشهيرة لعيد الميلاد وإنحنت معه لإطفاء الشمعة وهى تضحك ببهجة طفلة صغيرة وقادته للجلوس على الأريكة العريضة وإبتسمت بإغواء وخلعت حذائها ذو الكعب العالي وبدأت في الرقص بنشوة ورغبة كبيرة في إسعاده وفعل كل ما يحب، فستانها الأزرق القصير الملتصق بجسدها يضاعف من سحر رقصها ويجعل براعتها تفوق براعة الراقصات المحترفات،
إقترب أحدهم من البناية وهو يحمل حقيبة أوراق ضخمة وسأل حارس البناية العجوز بصوت رزين،
– لو سمحت يا حضرة
شقة المرحوم الأستاذ صالح فؤاد هنا؟
زفر الحارس بحزن وهو يومأ برأسه بالإيجاب،
– ألف رحمة ونور عليه.. أيوة هنا أيتها خدمة؟
– معايا ورق محتاج أسلمه لمراته أو حد من أهله
إرتبك الحارس العجوز وتأخر في الرد قبل أن يطأطأ برأسه بإنكسار وتأثر وتحدث بصوت منخفض مغلف بألم واضح وحيرة جلية،
– المدام فوق بس لو ينفع سيب الورق معايا وهابقى أديه للست الكبيرة لما تيجي
إستغرب الرجل ودفعه فضوله للبحث عن تفسير ولم يتأخر الحارس عن إشباع فضوله وجعله يطمئن ويترك الورق معه،
– المدام ربنا ما يوريك في عزيز من يوم وفاة المرحوم وهى حالها ما يسرش وما أخبيش عليك الست مخها يا ولداه بقى مش فيها وإخواتها والست الحاجة منبهين عليا محدش يطلعلها وهما مش موجودين وبالأخص لو حاجة تخص المرحوم
– لا حول ولا قوة إلا بالله
ربنا يكون في عونها ويلهمها الصبر، اتفضل الورق أهو بس ضروري حد يستلمه النهاردة أو بكرة بالكتير
– من عينا يا أستاذ ما تقلقش
صعد الحارس بعد مغادرة الرجل وضرب جرس الشقة ثلاث مرات دون رد، هدى بالداخل بفستانها الأزرق أمام اللوحة الخشبية لصور صالح ترقص وهى تحتفل معه بعيد ميلاده وكلما إلتقت الأعين إبتسمت بفرحة وبهجة أنها وحدها من تستطيع إمتاعه وإسعاده وجعله يستمتع بعيد ميلاده.




