رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| أزمة أم فرصة؟ كيف تعيد مصر تشكيل صورتها الاستثمارية؟
بقلم : شحاتة زكريا

في عالم لا يعترف بالثبات تصبح كل أزمة اختبارا حقيقيا لقدرة الدول على التحول وكل فرصة نتيجة مباشرة لحسن إدارة هذا التحول. وبينما يواجه الاقتصاد العالمي موجات متتالية من عدم اليقين ، تتحرك مصر اليوم في مساحة حساسة ومحورية: إعادة تشكيل صورتها الاستثمارية أمام العالم، ليس فقط بوصفها دولة تبحث عن استثمارات بل كقوة إقليمية صاعدة تمتلك إرادة وقدرة وإمكانات تُعيد رسم خريطتها الاقتصادية.
ما بين الأزمة والفرصة شعرة ومصر تحاول أن تُمسك بهذه الشعرة بحساسية وذكاء. فالصورة الاستثمارية ليست حملة إعلامية ولا ملصقا دعائيا ولا مؤتمرات تُلتقط فيها الصور بل هي تراكم ثقة، وبناء بيئة، وصياغة رواية اقتصادية تُصدقها الأسواق قبل أن يتحدث عنها المسؤولون. وهنا تحديدا يبدأ التحدي الحقيقي.
خلال السنوات الأخيرة تعرضت مصر لضغوط مالية واقتصادية غير مسبوقة: ارتفاع الديون ، تقلبات سعر الصرف.، تباطؤ النمو ، وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى مستويات أقل من الطموحات. ومع ذلك فإن قراءة هذه المعادلة بمعيار الخسارة فقط ليست عادلة لأن نفس الظروف دفعت الدولة لإعادة التفكير وإعادة صياغة الأولويات وإعادة النظر في الطريقة التي تُدار بها الملفات الاقتصادية.
اليوم تُدرك مصر أن المستثمر لم يعد يبحث فقط عن الأرباح بل عن الاستقرار، والشفافية، وسهولة الدخول والخروج من السوق، ووضوح الرؤية والسياسات. وتُدرك أيضا أن المنافسة في المنطقة أصبحت شرسة وأن دولا خليجية وعربية وأفريقية تتحرك بسرعة هائلة لجذب رؤوس الأموال العالمية مما يجعل أي تأخير أو تردد مكلفًا للغاية.
في هذا السياق لم يعد السؤال: لماذا لا تأتي الاستثمارات؟ بل أصبح: كيف نجعل مصر اختيارا طبيعيا للمستثمر لا مجرد بديل محتمل؟ وهنا بدأت الدولة في رسم مسار جديد يمكن ملاحظة ملامحه في عدة اتجاهات.
أولا هناك تحرك واضح نحو تحرير السوق وإعادة هيكلة علاقة الدولة بالاقتصاد. بيع حصص في شركات مملوكة للدولة التخارج من بعض القطاعات وتوسيع دور القطاع الخاص لم يعد مجرد وعود أو تصريحات بل أصبح مسارا مُعلنا مدعوما بجداول زمنية تراقبها المؤسسات الدولية. هذا التغيير ليس اقتصاديا فقط بل سياسي أيضا؛ لأنه يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمستثمر ويضع القطاع الخاص في قلب عملية التنمية.
ثانيا تعمل مصر على إعادة صياغة الرواية الاقتصادية التي تقدمها للعالم. فالمستثمر العالمي اليوم لا يكتفي بوعود النمو بل يريد أن يرى مشروعا وطنيا متماسكا ، استراتيجية طويلة المدى ومناخا تنظيميا مستقرا. وفي هذا الإطار برزت ملفات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر وتوسيع المناطق الاقتصادية في قناة السويس وتطوير البنية التحتية وتحديث منظومة التشريعات الضريبية والجمركية. هذه ليست مشاريع منفصلة؛ بل حلقات في سلسلة واحدة تستهدف إعادة تقديم مصر كدولة قادرة على جذب الصناعات الثقيلة والخفيفة، وسلاسل التوريد العالمية، والصناعات ذات القيمة المضافة.
ثالثًا وربما الأهم هو إعادة بناء الثقة. فالسوق لا يتحرك بالقرارات وحدها بل بمناخ الثقة. والثقة هنا لا تُبنى بين يوم وليلة لكنها تُبنى عبر رسائل واضحة وشفافية حقيقية وإجراءات ثابتة واحترام كامل لقواعد المنافسة. بدأت الحكومة خلال الشهور الأخيرة في إرسال إشارات إيجابية للأسواق: مرونة أكبر في سعر الصرف ، إجراءات لضبط المالية العامة ، برامج لتحفيز الصادرات ، وتسهيلات للمستثمرين في التأسيس والتراخيص. ورغم أن الطريق ما يزال طويلا إلا أن الاتجاه واضح: مصر تسعى بجدية لإعادة بناء صورتها أمام المستثمر الأجنبي.
لكن هل يكفي ذلك؟ بالطبع لا. فالصورة الاستثمارية ليست مجرد انعكاس لما تفعله الدولة، بل لما يعتقده العالم عن الدولة. وهنا تأتي أهمية القوة الناعمة الاقتصادية: القدرة على صياغة خطاب جديد لا يقوم على الدفاع بل على المبادرة. خطاب يقول للعالم: نحن دولة تعيد بناء اقتصادها بجرأة، تؤمن بالشراكة وتقدم فرصا حقيقية قابلة للنمو.
الأزمة الاقتصادية التي عاشتها مصر كانت قاسية لكنها كشفت أيضا عن نقاط قوة لم تكن واضحة. فمصر تمتلك سوقا ضخمة بــ 110 ملايين مستهلك وموقعا جغرافيا لا ينافس وبنية تحتية أصبحت واحدة من الأكثر تطورا في المنطقة خلال العقد الماضي، وعمالة شابة، وقطاعا مصرفيا قويا وصلبا، وإرادة سياسية واضحة لدعم جذب الاستثمارات. هذه العوامل لا تشتريها الأموال ولا توفرها الحكومات بسهولة، وهي ما يمنح مصر ميزة تنافسية لا يمكن تجاهلها في لحظة البحث العالمي عن أسواق جديدة.
من هنا يمكن القول إن السؤال الحقيقي ليس: هل تواجه مصر أزمة؟ بل: كيف تُحوّل هذه الأزمة إلى فرصة؟ والجواب لا يكتمل إلا عندما يصبح الاستثمار جزءا من رؤية وطنية شاملة، لا ملفًا إداريًا أو إجراءً ماليًا.
إذا نجحت مصر في تثبيت قواعد المنافسة وتوسيع دور القطاع الخاص، وتعزيز الشفافية، وتحسين البيئة التشريعية، فستتحول صورتها الاستثمارية إلى قوة جذب حقيقية، لا إلى شعار. وإذا تمكنت من تقديم نفسها للعالم كدولة تتطور وتتعلم وتراجع نفسها فستكون الأزمة بداية لمرحلة جديدة من النمو، لا محطة للتوقف.
مصر لا تبحث اليوم عن استثمارات فقط بل عن مستقبل اقتصادي أكثر استقرارا وعن نموذج تنموي أكثر عدالة وعن ثقة عالمية تُعيد للاقتصاد مكانته الطبيعية. وبين الأزمة والفرصة مساحة ضيقة لكن مصر تأمل أن تعبرها بثبات مدفوعة بإرادة سياسية قوية وطموح اقتصادي لا يقل عن طموح الأمم التي سبقتها في مسارات التحول.
وهكذا فإن إعادة تشكيل الصورة الاستثمارية لم تعد خيارا بل ضرورة وجود. والأزمة التي كانت تُخيف البعض أصبحت الوقود الذي يدفع مصر لإعادة النظر في كل شيء وإعادة صياغة روايتها الاقتصادية من جديد. وفي لحظة عالمية تبحث فيها الدول عن موطئ قدم في الاقتصاد الجديد تبدو مصر أمام فرصة ذهبية: أن تكتب فصلًا جديدا في قصتها ، لا كدولة تبحث عن التعافي فقط بل كدولة تصنع المستقبل.



