كاتب ومقال

إبداعات كلمتنا| “أراجوز العيد”

بقلم: أحمد عبد العزيز صالح

جميع الصغار بجلاليبهم الجديدة يقفون في ترقب ولهفة في انتظار إنتهاء العجوز من نصب مسرحه الصغير المحمول فوق عربته الخشبية المتهالكة، لا يكون العيد عيدًا بدون رؤية الأراجوز،

العجوز لم يفوت عيد منذ أكثر من عشر سنوات، بمجرد إنقضاء صلاة العيد، يهرول الصغار نحو الساحة بحثًا عنه، عجوز دائم الإبتسام بجسد نحيف وضئيل يشبه أراجوزه في حجمه الصغير ورأسه الطويل على شكل مستطيل،

لا يصحب العجوز معه أي شخص على الإطلاق غير زوجته صاحبة الوجه الثابت الملامح، لا تبتسم وأيضا لا تتجهم، على وجه الدقة، لا يحمل وجهها أبدًا أي تعبيرات إنفعالية مهما حدث،

بدينة.. بل شديدة البدانة حتى أنها قلما تحركت، فقط تجلس بجوار العربة المتهالكة القديمة وأمامها وعاء من الألمونيوم به كشري لا يصنعه أحد غيرها،

فقط مكرونة وشعرية ويتجلى سر الطعم في الصلصة باهتة اللون، لا تكتمل متعة المشاهدة للصغار وهم يشاهدون مشاجرات الأراجوز وزوجته الحانقة بغير طبق الكشري الغارق في الصلصة باهتة اللون،

العرض على وشك البدء، الأبصار معلقة بستار المسرح الصغير وأطباق الكشري محمولة بأياديهم الصغيرة والمعلاق معلقة في الهواء في انتظار لحظة البداية،

زوجة الأراجوز تظهر وهى غاضبة، لا يحمل وجهها ملامح غضب ولم تنطق بحرف بعد، ومع ذلك كل الصغار يعرفون أنها غاضبة من زوجها، قاعدة العروض الأساسية التي لم ولا تتغير، الأراجوز دائمًا في حالة هلع من زوجته ومهموم بالدفاع عن نفسه ومحاولات الهروب من غضبها،

فور ظهور الأراجوز وقبل أن يتفوه بحرف، يصيح الصغار بفرحة عارمة ويصفقون بسعادة، لم يعلمهم أحد قواعد استقبال أبطال العروض المسرحية، فقط في كل مرة تُحركهم فطرتهم ويصفقون لبطلهم المحبب،

زوجة العجوز لا تتوقف عن تقليب الصلصة باهتة اللون فوق النار المنخفضة والصغار برؤوس مرفوعة وأعين محدقة وأفواه مفتوحة ضاحكة وشفاه ملطخة ببقايا الصلصة باهتة اللون، الكل نسى إختفاء العجوز بعد تحضير المسرح، لا يشغلهم سوا الإنتباه للعرض وإنفجار ضحكاتهم كلما تفوه الأراجوز بكلمة أو خبأ وجهه بكفيه شديدي الصغر،

ضربت زوجة الأراجوز زوجها بطل الصغار بعصا بيدها فوق رأسه جعلته يترنح ويتآوه ويسقط خلف المسرح، كثيرًا ما تفعل ذلك في كل العروض حتى يستدعي شجاعته وينتهي العرض بضربها وإعلان إنتصاره عليها وفرض سطوته على خشبة المسرح،

صمت تام جعل صوت تقليب الصلصة مسموع لأذان الصغار ولم يعد الأراجوز للمسرح وتجمدت حركة زوجته ومازالت ممسكة بالعصا،

أحدهم صاح بصوته الرفيع ينادي عليه متعجلًا إستكمال القصة والعرض، الأراجوز لم يظهر ولم يجيب وحتى صوت تقليب الصلصة توقف، نهضت الزوجة البدينة ذات الوجه الثابت الملامح بصعوبة وتحركت بسرعة لا تتناسب مع بدانتها نحو الخلف ولم يعد منها غير صوت صرخة تحمل لوعة العالم كله في فمها،

مات العجوز وسقط بجسده الضئيل بين المسرح والعربة القديمة، تجمع الكبار وترك الصغار أطباق الكشري وتقاربوا حد الإلتصاق وهم في حالة دهشة وعدم إدراك لما حدث، كيف يموت الأراجوز وهو مصنوع من الخشب وقطع القماش!،

تعالت الهمهمات المتعددة الحناجر وسقطت زوجة العجوز على الأرض ووجها يعوض سنوات الجمود ويرسم أقسى ملامح الحزن والحسرة، الكل في حالة حركة وهى كما هى في مكانها وبين يديها الأراجوز الخشبي الصغير تفصل بين ما يفعله الكبار وبين تجمع الصغار الخائفين الشاعرين بالحزن لتوقف العرض، لم يفهموا أن العجوز هو الأراجوز، هو صانعه ومحركه ومخرج صوته الحاد الرفيع،

أحد الصغار شعر بحزن زوجة العجوز، مسح فمه من بقعة الصلصة الباهتة اللون وإقترب منها واضعًا كفه الصغير فوق كتفها وقال بصوت محملًا بالأمل.

– لا تقلقي.. بعد قليل يعود العجوز ويصلح كل شئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى