رؤى التحول الاقتصادي والطاقة| نحو اقتصاد أكثر مرونة.. خطوة شجاعة لتوحيد الرسوم والضرائب

في خطوة تعكس شجاعة سياسية وفهما عميقا لتعقيدات البيئة الاقتصادية، وجَّه الرئيس عبدالفتاح السيسي بتحويل منظومة الرسوم المتعددة إلى ضريبة موحدة تُفرض على صافي الربح. هذه المبادرة التي قد تبدو في ظاهرها مجرد تبسيط للإجراءات ، تحمل في جوهرها تحولات عميقة في طريقة تعامل الدولة مع مجتمع الأعمال والمواطنين على حد سواء.
لطالما شكلت تعددية الرسوم والضرائب واحدة من العقبات الخفية التي تكبّل الاقتصاد الوطني. فالتداخل بين الجهات والتفاوت في تقدير الرسوم والتكرار في التحصيل كلها عناصر أنتجت حالة من الإرباك للممولين وخلقت بيئة خصبة للنزاعات والتأجيلات وربما التهرب. لم يكن الخلل في نية المواطن أو المستثمر في دفع ما عليه بل في الغموض الذي يحكم معادلة التقدير والتحصيل.
اليوم مع طرح فكرة الضريبة الموحدة على الدخل الصافي نقترب أكثر من المعايير العالمية الحديثة حيث يصبح عبء الالتزام الضريبي واضحا ومحددا منذ البداية. هذا الإجراء في حال تطبيقه بكفاءة وعدالة لن يكون مجرد إجراء إداري بل خطوة استراتيجية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن وبين الحكومة والمستثمر.
أكثر من ذلك فإن توحيد الرسوم والضرائب يعني تبسيط المشهد البيروقراطي بشكل غير مسبوق. ففي ظل المنظومة الحالية تُهدر أوقات طويلة وموارد هائلة في فض المنازعات والتقديرات المتضاربة. أما مع النظام الجديد فسيعرف الممول تحديدا ما له وما عليه وستختفي معظم المساحات الرمادية التي طالما كانت مدخلا للاجتهادات الشخصية أو الممارسات غير المنضبطة.
من زاوية الاستثمار يُعتبر هذا التحول بمثابة رسالة طمأنة قوية. فالمستثمرون سواء المحليون أو الأجانب ينظرون إلى سهولة الإجراءات الضريبية كعنصر حاسم في اتخاذ قراراتهم. ومن هنا فإن توحيد الرسوم يفتح الباب أمام بيئة أعمال أكثر تنافسية ويضع مصر على خريطة الاستثمار الإقليمي والدولي بثقة أكبر.
ولا يمكن إغفال أن هذا القرار ينعكس إيجابا أيضا على كفاءة جهاز الدولة الإداري. إذ أن تبسيط التحصيل يعني تقليل النفقات الإدارية وتوجيه المزيد من الموارد إلى تحسين الخدمات العامة بدلا من الانشغال بتعقيدات غير ضرورية. وهو ما يصب في نهاية المطاف في مصلحة المواطن والمجتمع بأكمله.
يبقى التحدي الحقيقي في آليات التنفيذ. فنجاح هذه الخطوة يعتمد على تصميم منظومة ضريبية عادلة وشفافة تضمن تحقيق العدالة بين مختلف القطاعات الاقتصادية وتقطع الطريق أمام أي محاولات للالتفاف أو التحايل. كما أن تطوير البنية التكنولوجية وتدريب الكوادر الإدارية سيكونان عنصرين حاسمين لضمان النجاح الكامل لهذا التحول الكبير.
في النهاية نحن أمام قرار يحمل في طياته بداية مرحلة جديدة. مرحلة يتقدم فيها منطق الشفافية والكفاءة على منطق الفوضى والاجتهادات. وبهذا المعنى فإن مبادرة توحيد الرسوم والضرائب ليست مجرد استجابة لمطلب إصلاحي بل تأسيس لنهج اقتصادي أكثر مرونة وقدرة على استيعاب طموحات التنمية الشاملة التي تتطلع إليها مصر في السنوات المقبلة.


