افتتاح المتحف المصري الكبير: استعادة كنوز توت عنخ آمون وذكرى مرقص باشا حنا حامي التراث

في مشهد احتفاليّ استثنائي يعكس استمرارية علاقة الشعب المصري بماضيه، افتتح المتحف المصري الكبير أبوابه ليعرض مجوعة توت عنخ آمون كاملة في موطنها التاريخي. هذه العودة لا تُقرأ فقط مناسبة متحفية أو إنجازًا هندسيًا، بل كفصل من سردية طويلة عن صراع على الحِفظ، والهوية، والحق في التراث؛ سرديةٍ اشتبك فيها رجال دولة مصريون مع قوى استعماريّة، وكان مرقص باشا حنا من أبرز أبطالها الذين ساهموا في بقاء كنوز الملك الشاب داخل مصر.
من الاكتشاف إلى المواجهة: خلاصات زمنية
اكتُشِفت مقبرة توت عنخ آمون في نوفمبر 1922 على يد البعثة البريطانية بقيادة هوارد كارتر، لكن تداعيات الاكتشاف امتدت لعقود بسبب الخلافات حول سُلطات الرقابة على الموقع وتقاسم النتائج وحق الاطلاع والنشر. بعد الاكتشاف كانت السيطرة الفعلية على المكان محل نزاع بين خدمات الآثار المصرية ورعاة الحفر الأجانب، وتفاقمت الأزمة مع التحوّلات السياسية في مصر وبروز حكومة الوفد عام 1924.
في يناير 1924 صار مرقص باشا حنا وزيرًا للأشغال العامة في الوزارة الوفديّة برئاسة سعد زغلول، في ظرفٍ سياسيٍ حادٍ بعد ثورة 1919 ونضالات الاستقلال. كان لبصماته الوطنية السابقة وموقفه من الاحتلال أثر في صياغة تعامله الحازم مع ملف المقبرة.
إجراءات الحماية: إغلاق المقبرة وتفتيش الخارجين
عندما اتضح لمرقص باشا أن بعض الإجراءات داخل الموقع قد تُسهِم في تسريب آثار إلى الخارج—لا سيما مع السماح لأجانب وإعلاميين أجانب بالدخول والتصوير واستبعاد المصريين—اتخذ قرارًا حاسمًا بإغلاق المقبرة وإحكام حراستها وتسليم المفاتيح والوصاية لجهات مصرية رسمية، وتعيين حراسة شرطية عسكرية مشددة وفرض تفتيش على الخارجين من الموقع، بمن فيهم أعضاء البعثة نفسها. كان هدفه واضحًا: وقف أي سيل محتمل من تهريب القطع الصغيرة أو تهريب معلومات قد يؤدي إلى تفريغ المقبرة قطعةً قطعة كما حدث في حالات سابقة.
التدابير لم تكن تقنية فحسب، بل سياسية أيضاً: فرضت الدولة قيودًا إدارية وقانونية على من يدخل المقبرة، واستخدمت تسجيل كل قطعة بحضور ممثّلين عن البعثة حتى يُحمّل من يتعامل مع القطع مسؤولية فقد أي عنصر. ثم نُقلت المجموعات المسجّلة إلى المتحف المصري في القاهرة تحت حراسة، كخطوةٍ عملية لضمان بقاء المحتويات داخل أرض الوطن.
معركة القانون والصحافة: حملة بريطانية ومحاكم مختلطة
لم تُقَبَل إجراءات المرصد المصري بسهولة من طرف رعاة الحفائر البريطانيين. تصاعدت هجمات الصحافة البريطانية وعلى رأسها جريدة The Times، التي اتهمت مرقص باشا وأجهزة الدولة بممارسات «منع العمل العلمي» وراحت تطالب بمحاسبته، بل وطالبت بعض الدوائر القضائية الأجنبية بالتدخّل. في المقابل لجأت جهات بريطانية إلى المحاكم المختلطة في مصر، تلك المحاكم الخاصة بنظر قضايا الأجانب، ورفع ممول الحفائر مطالبات تطالب بحصص من المحتويات أو تعويضات.
الأحداث وصلت إلى ساحات القضاء: المحكمة المختلطة أصدرت حكمًا مؤقتًا رجّح مواقف بعض الأطراف الأجنبية، لكن الحكومة المصرية، ومن ورائها مرقص باشا، لم تَرِضْ بالتنفيذ، ورفعت المسألة إلى محكمة أعلى استندت إلى حجج إجرائية ومضمونية تفيد بأن القواعد التي تستند إليها مطالبات التوزيع لا تنطبق على مقبرة سليمة لم تُسرق من قبل—حيث أن التصريحات التي منحها كارتر أو رعاته كانت تُفترض تطبيقها في حالات المقابر المسبوقة سرقتها. وقد انتهت إحدى درجات التقاضي بموقف داعم لإجراءات الحكومة المصرية في 31 مارس 1924، وهو ما أعاد توازنًا لصالح الحِماية الوطنية للموقع.
السرد البريطاني مقابل السرد المصري: كارتر والتاريخ
مثلت هذه القضية لحظة انعطاف في الرواية الشائعة عن «اكتشاف كارتر» وحده؛ فقد أبرزت سجلات المحاكم والوثائق أن إدارة الموقع وقرارات الحكومة المصرية كانت فاعلة وحاسمة، وأن كارتر—رغم براعته العلمية—دخل في صراع سياسي وقانوني لم يكن لصالحه دومًا. لا يعني هذا إنكاراً لمساهمة كارتر في العمل الميداني، لكنه يؤكد أن الحفائر الأثرية ليست مجرد ساحة علمية مُحايدة، بل ساحة تتقاطع فيها السياسة والقانون والهوية الوطنية.
النتيجة العملية الأهم كانت: عدم خروج قطعة واحدة من محتويات المقبرة إلى الخارج نتيجة مباشرة لتدابير الحِماية والتسجيل والنقل الآمن إلى المتحف المصري—خطوة أنقذت جزءًا كيميائيًا من ذاكرة الأمة. وتبقى حجج مرقص باشا القانونية حول نصوص تراخيص التنقيب مركزية في إسقاط أي مبرر قانوني لمطالبات التقسيم التي استندت إلى حالة افتراضية للسرقة.
مرقص باشا حنا: بين الوطنية والنسيان التاريخي
تُقدِّم الوقائع التاريخية صورة رجل دولة اتخذ قرارات مُعرّضة لردود فعل دولية ضاغطة، لكنه صمد حفاظًا على حق الشعب المصري في تراثه. مرقص باشا، الذي شارك في نضالات 1919 وكان من زعماء الوفد، واجه ليس فقط الحملات الإعلامية بل أيضًا مطالبات قانونية حملها محامو رعاة الحفر، بينهم من كانت لهم سوابق قضائية ضدّه في قضايا سياسية سابقة؛ ومع ذلك نجح في أن يحول نقاط الضعف السياسية إلى أدوات حماية قانونية فعلية.
ومع ذلك، ظل اسمه إلى حد كبير خارج الخطاب العالمي المحيط باكتشاف توت عنخآمون، وظلت شاشات التاريخ تُعيد تصوير المشهد مركزاً على العنصر الأجنبي المكتشف، بينما تبدو مواقف حماة التراث المحليين هامشية في سردياتٍ طغت عليها مرايا القوى الاستعمارية. هذا النقص في الاعتراف هو الذي يجعل من استعادة عرض المجموعات كاملة في المتحف المصري الكبير فرصةً لإعادة قراءة التاريخ بمنظور أكثر توازناً وإنصافًا.
خاتمة: المتحف الكبير ليس انتهاء بل بداية حوار
عرض كنوز توت عنخ آمون كاملة في المتحف المصري الكبير ليس مجرد إنجاز تقني أو سياحي، بل فرصة لإعادة تأهيل الذاكرة الجماعية: تذكير بمَن حمى التاريخ، وبالطرق التي استُخدمت لحمايته، وبالتحوّل من مشهدٍ استعماريٍّ إلى إدارة وطنية لتراثٍ عالمي. إن توثيق الأسماء والوقائع—ومن بينها دور مرقص باشا حنا—يُثري الفضاء العام بقراءةٍ أكثر عمقًا تضع الأثر في سياقه السياسي والقانوني والثقافي، وتعيد الاعتبار لأولئك الذين صنعوا إجراءات الحماية عندما كانت المخاطر على أعلى درجاتها.




