كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| التفاصيل الصغيرة والجبل الكبير

بقلم: المهندس زياد عبد التواب

قد يظن الإنسان، وهو يسير في دروب الحياة، أن الضغوط الكبرى وحدها هي التي تسقطه. الأزمات المالية، المشكلات الوظيفية، الخلافات العائلية… كلّها صور واضحة للألم، يمكن تحديدها والإشارة إليها. غير أن الحقيقة التي تتكشف مع مرور الوقت تقول شيئًا مختلفًا تمامًا، فغالبًا ما يكون الانهيار العصبي ابناً لتلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو غير ذات شأن، لكنها تتراكم ببطءٍ وصمت، حتى تصبح كالثقل الذي لا يُحتمل.

تبدأ هذه التفاصيل منذ اللحظة التي يفتح فيها المرء عينيه، بصوت المنبه الحادّ الذي يوقظه من نومٍ غير مكتمل، ثم الازدحام الذي يبتلع أعصابه قبل أن يصل إلى عمله، وأي نظرة عابرة من شخص لا مكان له في حياته، لكنها تترك أثرًا خفيفًا لا تدري سببه، أو كلمة قديمة لم تتعامل معها يوم قيلت، لكنها تستيقظ داخلك في أكثر أوقاتك هشاشة. أمور أخرى كثيرة، مثل رسالة مؤجلة أو خوف عابر أو فكرة صغيرة عن المستقبل… كلها خيوط دقيقة، لا تكسر أحدًا وحدها، لكنها إن التفت حول الروح، كبّلتها. والأصعب من كل ذلك أن الإنسان كثيرًا ما يعجز عن معرفة سبب تعبه الحقيقي، فلا يوجد حدثٌ واحد يقول له “ها هو السبب”، بل الأمر أقرب إلى شبكة معقدة من التفاصيل المتناثرة، التي يتداخل بعضها ببعض دون ترتيب، فتتركه عاجزًا عن فهم ذاته، أو حتى إلقاء اللوم على شيء واضح.

وهنا يبرز سؤال مهم نسأله كل يوم: لماذا أصبح الحديث عن الانهيار العصبي والقلق والتوتر أكثر شيوعًا في عصرنا مما كان عليه الأمر قبل عقود؟ لماذا بتنا نسمع قصصًا كثيرة عن الانهيارات النفسية، ونرى اعترافات صريحة من أشخاص لم نكن نتوقع منهم أن يتكلموا؟ إن الإجابة باختصار تكمن في شبكات التواصل الاجتماعي، فقبل ظهور هذه الشبكات، كان من يمرّ بأزمة نفسية يعيشها غالبًا في عزلة، حيث كان المجتمع يميل إلى إخفاء هذه المعاناة. وكان كثيرون يرون أن التعب النفسي ضعف، أو قلة صبر، أو ربما دلع لا مبرر له. كانت القصص تُروى همسًا، وفي دوائر ضيقة، وربما لا تُروى إطلاقًا، لكن مع انتشار وسائل التواصل، تغيّر المشهد. أصبح لكل فرد صوت، وأصبحت مساحة الاعتراف أوسع، فلم يعد الشخص بحاجة إلى أن يكون كاتبًا أو مؤثرًا ليحكي ما يشعر به، يكفي منشور واحد ليجد حوله من يشاركه الألم نفسه. صرنا نسمع مصطلحات لم تكن شائعة من قبل مثل القلق، والاحتراق النفسي، والاكتئاب، ونوبات الذعر، والانهيار العصبي، كلمات كانت حبيسة العيادات النفسية، فأصبحت جزءًا من لغة الحياة اليومية. نفس الأمر بالنسبة للكوارث والحوادث والجرائم، نعتقد أننا نعيش في عصر غير مسبوق من حيث فداحة الأحداث، والحقيقة أن البشر على تلك الحال منذ وطأت قدما آدم عليه السلام الأرض، لكنها وسائل الاتصال والتواصل والنشر والإلحاح.

والحقيقة إن شبكات التواصل لم تخلق الانهيار العصبي، لكنها كشفت عمّا كان مخفيًا. ومع ذلك، فإنها في الوقت نفسه زادت من حدته. فإلى جانب الضغوط اليومية التي يواجهها الإنسان في الواقع، جاء عالمٌ افتراضي مليء بالمقارنات، والصور المثالية، والإنجازات المبالغ فيها، عالمٌ يجعل الإنسان يشعر وكأنه متأخر، أو غير كافٍ، أو غير سعيد بما فيه الكفاية، أو مقصر. وهكذا أصبح الضغط مضاعفًا: ضغط الواقع، وضغط الصورة التي يُفترض أن نعيش وفقها، ولا نحيد عنها.

ومع هذا التعقيد، يظل السؤال قائمًا: كيف يمكن للإنسان أن يحمي نفسه؟ والحقيقة أنه لا توجد معادلة سحرية، لكن هناك خطوات بسيطة قد تصنع فارقًا كبيرًا، مثل أن يُسمّي الإنسان ما يشعر به، بدلًا من تجاهله أو إنكاره، وأن يشارك همّه مع شخص يفهمه حقًّا، لا مع من يستمع ليعرف أو يشمت، بل مع من يستمع ليحتوي، وأن يمنح نفسه لحظات بطيئة، في عالم يمضي بسرعة تفوق قدرة الروح على الاحتمال، وأن يعترف بأنه بشر، لا آلة تعمل بلا توقف. وقبل كل هذا، يقوم بترشيد استخدامه لتلك الشبكات، فربما تكون التفاصيل الصغيرة هي الشذرات البسيطة التي تُنهك الإنسان، لكنها أيضًا تشكل مع تراكمها جحيمًا لا يطاق. لذلك، فإن الإنسان إن هو توقف قليلًا، وتأمل ما يمر به، وتعلّم كيف ينظر إلى نفسه بعين أكثر حكمة وهدوء، قد يستطيع إنقاذ نفسه من هذا الأتون المستعر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى