
كان هناك محل صغير في الطريق إلى عملي. محل لا يلفت النظر أول الأمر؛ واجهته ضيقة، ورفوفه مزدحمة بما يكفي ليبدو كأنه يختصر الدنيا في بضعة أمتار: علب بقالة، أكياس معجنات، زجاجات لبن، أقراص جبن، بسكويت للأطفال، سجائر للكبار، وحلوى رخيصة تشبه الوعود التي نشتريها ونحن نعرف أنها لن تشبع شيئًا فينا.
كان يدير المحل شاب اسمه عليوة.
عليوة في الثلاثين تقريبًا، لكن جسده كان يسبق عمره بسنوات طويلة. وزنه يقارب المائتي كيلو، أو هكذا كنت أقدّر وأنا أراه يتحرك بصعوبة، كأن كل خطوة يخطوها تحتاج إلى موافقة مسبقة من رئتيه وركبتيه وقلبه. كان يتحرك يمنة ويسرة، جيئة وذهابًا، يلتقط هذا، ويزن ذاك، ويحسب لهذا، ويناول تلك، وكأنه سفينة ضخمة تصرّ على الإبحار في زقاق ضيق.
الغريب أنه لم يكن يكفّ عن الحركة. هناك أناس أصحّاء يجلسون طوال اليوم كأن الحياة استقالت منهم، أما عليوة فكان يتصبب عرقًا ويضحك. كان يلهث ويضحك. كان يمسح جبينه بظهر كفه ثم يضحك. يوزع ابتسامته على الأطفال والنساء والعجائز والعمّال والموظفين، ويعرف أسماء نصف الشارع، وأمراض نصف الشارع، وديون نصف الشارع.
كان يتاجر في كل شيء يمكن أن يدخل فم الإنسان: البقالة والألبان والمعجنات والمياه الغازية والمقرمشات، وكل ما يؤكل أو يشرب أو يلهي الجائع عن جوعه دقيقة أخرى. وفي بلدنا، المحل الصغير ليس محلًا فقط؛ إنه دفتر أحوال، ومكتب بريد، ومنبر إشاعات، ومحكمة عرفية، وعيادة نفسية مجانية، ومكان يكتشف فيه الناس أن أرواحهم مرهقة وأنهم يريدون أن يتكلموا مع أي أحد.
وكان عليوة يسمع. يسمع ويضحك ويعلّق بكلمة خفيفة، كأنه لا يحمل شيئًا في صدره غير النكات.
عرفت أنه مريض بالسكر والضغط، وربما بما هو أكثر. في جسده كانت هناك حرب لا يراها أحد: سكر يلتهم الأعصاب في صمت، وضغط يدقّ على الشرايين كشرطي غاضب، وقلب يعمل ساعات إضافية بلا أجر، ورئتان تتوسلان الهواء. ومع ذلك، كان عليوة يبتسم كأن المرض زبون ثقيل الظل سيشتري ويرحل.
بمرور الأيام، صرت أعدّه أهم ما في الشارع. لا المسجد، ولا المخبز، ولا المقهى، ولا اللافتة القديمة المعلقة على ناصية العمارة. كان عليوة هو العلامة. إذا رأيته شعرت أن الشارع ما زال في مكانه، وأن العالم لم ينته بعد. بل إنني، في سري، غيرت اسم الشارع. لم أعد أسمّيه باسمه المعروف بين الناس، بل أسميته: شارع عليوة.
هكذا نفعل دائمًا. لا نحب الأماكن كما هي، بل كما تتجسد في شخص. المدينة كلها قد تختصرها ضحكة بائع، أو ظل شجرة، أو يد عجوز تلوّح لك من شرفة بعيدة. ونحن، في غفلتنا الطيبة، نمنح الناس أسماء أكبر من حقيقتهم، ثم نغضب حين تكشف لنا الأيام أنهم بشر.
وفي صباح شديد البرودة، من تلك الصباحات التي يبدو فيها الهواء كأنه زجاج مكسور يدخل الرئتين، كان الطريق خاليًا تقريبًا. الشارع الذي أعرفه صاخبًا بدا كأنه هُجر فجأة. لا أصوات باعة، لا أطفال، لا عراك على الأجرة، ولا حتى ذلك الضجيج الذي يجعلنا نشتم المدينة ثم نفتقدها حين تصمت.
اقتربت من محل عليوة، وقلت في نفسي: سألقي عليه السلام وأقف معه قليلًا. ربما أشتري شيئًا لا أحتاجه، كما أفعل عادة، فقط لأرى ضحكته، أو لأشتري الوهم اللطيف بأن في الدنيا بساطة لم تمت.
لكنني قبل أن أصل، سمعته.
كان صوته غريبًا. لم يكن صوت عليوة الذي أعرفه؛ الصوت الضاحك، المستكين، الذي يخرج من بين أنفاس متقطعة كأنه يطلب العفو من الحياة. كان صوتًا آمرًا، حازمًا، صارمًا، قاسيًا. صوت من اعتاد أن يقول: هذا ما عندي، ومن بعدي الطوفان.
رأيته يتفاوض مع امرأة عجوز تأتيه بالجبن واللبن. كانت تقف أمامه بعباءتها الداكنة ووجهها الذي حفرت فيه الأيام أخاديد صامتة. لم تكن امرأة تبيع فقط؛ كانت تحمل على كتفها عمرًا كاملًا من التعب. في يدها بضاعة قليلة، وفي عينيها رجاء كثير.
قالت بصوت هامس، يكاد البرد يكسّره:
ـ أنت تبخس الأمر كله يا ابني.
فرد عليوة، بلا تلك الضحكة التي أعرفها:
ـ هذا ما عندي.
قالها كقاضٍ لا كبائع. كمن أغلق الباب قبل أن تطرقه. كمن يعرف أن الطرف الآخر لا يملك رفاهية الرفض.
تراجعت خطوة ولم أدخل. شيء ما في داخلي طلب مني أن أبقى بعيدًا. ربما لأننا لا نحب أن نرى تماثيلنا وهي تتشقق. نفضل أن نراها من بعيد، حيث يخفي الضوء العيوب، وحيث يستطيع الخيال أن يرمم ما كسره الواقع.
أخذت السيدة المال وانصرفت. رأيت دموعها، لا تسيل بغزارة، بل تقف في عينيها كأنها تخجل من الظهور. اقتربت منها بعد أن ابتعدت عن المحل، وسألتها عن ثمن الجبن، وكم تبيعه، وكم يأخذ منها عليوة.
أجابتني، وما زالت الدموع في مقلتيها.
في تلك اللحظة لم أحتج إلى درس طويل في الاقتصاد ولا إلى محاضرة في العدالة الاجتماعية. أدركت فقط أن عليوة يبخسها حقها فعلًا. وأدركت أنه يبيع للناس بأرقام فادحة، ثم يشتري من الضعفاء بأرقام لا تكفي حتى لستر تعبهم.
كان الأمر بسيطًا ومؤلمًا. بسيطًا كما تكون الخيانة حين تقع في وضح النهار. ومؤلمًا كما تكون الحقيقة حين تأتي من شخص كنا قد وضعناه في خانة الطيبين.
واصلت طريقي ذلك اليوم كأن شيئًا ثقيلًا وُضع فوق صدري. لم أكن غاضبًا فقط من عليوة، بل من نفسي. من تلك السهولة التي صدّقت بها ضحكته. من رغبتي الساذجة في أن أجد في الشارع بطلًا صغيرًا، رجلًا طيبًا يرمم ثقتي في البشر. من حاجتي إلى أن يكون هناك شخص ما نقيًا بما يكفي لأطمئن.
ثم بدأت أراه بعد ذلك كما كنت أراه دائمًا، لكنني لم أعد أراه كما كنت.
كان يقف في محله، يبتسم ويضحك ويرحب بي:
ـ أهلاً يا دكتور، نورت الشارع كله.
نفس النبرة المستكينة. نفس الضحكة التي تستدر عطفك. نفس الجسد الضخم الذي يتحرك بصعوبة، فيجعلك تشعر أنك قاسٍ إن لم تشتر منه شيئًا. كنت أدخل أحيانًا، وأسأله عن السكر والضغط، فيتنهد ويقول إنه يحاول معهما. كان يقولها كما يقول المدمن إنه سيترك سيجارته الأخيرة بعد هذه السيجارة.
قلت له مرة:
ـ أعرف جرّاحًا ماهرًا في عمليات تكميم المعدة. ربما تساعدك العملية. ستريح قلبك ورئتيك وحركتك. صحتك أولى من كل شيء يا عليوة.
ضحك طويلًا. ضحكة واسعة كأنني قلت نكتة لا نصيحة.
ثم قال:
ـ الناس تعودت على عليوة السمين. عليوة الذي يتحرك بصعوبة. عليوة الذي يجاهد كي يلتقط أنفاسه. هذا يعجبهم. يجعلهم يتعاطفون معي.
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرة لا تخلو من فخر خفي:
ـ وزني جزء من الشغل يا دكتور.
كانت الجملة صغيرة، لكنها فتحت في رأسي بابًا مظلمًا.
قلت له:
ـ لكنها صحتك.
فهز كتفيه كمن يعرف، وكمن لا يريد أن يعرف:
ـ الصحة بيد الله.
يا لها من عبارة عجيبة. نقولها أحيانًا لنطمئن، وأحيانًا لنتهرب من مسؤولية أجسادنا وأرواحنا. نعلّق على الغيب ما صنعناه بأيدينا، ثم نرفع أعيننا إلى السماء كأننا مظلومون. نعم، الصحة بيد الله، لكن طبقك بيدك، وسكرك بيدك، وظلمك لتلك المرأة كان بيدك أيضًا.
خرجت من عنده يومها وأنا أفكر: ماذا بقي لي من عليوة؟
هل بقيت ضحكته؟ لم تعد بريئة. هل بقيت حركته الثقيلة؟ لم تعد تثير الشفقة وحدها. هل بقي مرضه؟ لم يعد مرضًا فقط، بل صار أداة. هل بقيت طيبته؟ ربما كانت طيبة انتقائية؛ تظهر لمن يدفع، وتختفي أمام من يحتاج.
ابتعدت عنه قليلًا، وصرت أراقبه من بعيد.
رأيته كما يرى المرء حاويًا في مولد قديم. يبتسم للجمهور، يلوّح بيديه، يخرج الأرنب من القبعة، ويخفي النقود في جيبه. كان عليوة يعرف كيف يستخدم كل شيء: ضحكته، عجزه، مرضه، سمنته، لهاثه، بطء حركته، حتى تلك الطريقة التي يتدحرج بها تقريبًا من طرف المحل إلى طرفه. كان يحوّل ضعفه إلى رأس مال، وحاجتك إلى التعاطف إلى فاتورة.
والأخطر من ذلك أنه كان ناجحًا.
فمن يستطيع أن يساوم رجلًا يبدو مريضًا؟ من يستطيع أن يغضب من شخص يتصبب عرقًا وهو يناولك كيس السكر؟ من يستطيع أن يتهم بالاستغلال رجلًا يبتسم كطفل ضائع ويقول لك: ادعي لي يا دكتور؟
نحن ندفع أحيانًا ثمن السلع، وأحيانًا ثمن الشعور بالذنب. وعليوة كان يعرف هذا جيدًا.
لكن أكثر ما آلمَني لم يكن أنه يخدعني. في النهاية، أنا رجل بالغ، وخداعي ليس كارثة كونية. ما آلمَني أنه كان قاسيًا مع من لا يملكون إلا الضعف. كان رقيقًا مع الزبون لأنه مصدر الربح، وغليظًا مع العجوز لأنها مصدر البضاعة. يضحك لمن يأخذ منه، ويكشر لمن يعطيه.
وهنا تتضح حقيقة الإنسان أحيانًا: لا في لطفه مع من يحتاج إليهم، بل في عدله مع من يحتاجون إليه.
تذكرت السيدة العجوز. رأيت وجهها في ذاكرتي كأيقونة حزينة. امرأة تحمل الجبن واللبن من بيت ربما بعيد، تمشي في البرد، تبيع تعبها قبل أن تبيع بضاعتها. ثم تقف أمام عليوة، ذلك الشاب الضخم الذي جعل الشارع كله يرحمه، فلا تجد منه رحمة.
كان في المشهد شيء من قسوة الدنيا القديمة. دنيا الحارة التي وصفها الحكماء كثيرًا: القوي يأكل باسم الشطارة، والضعيف يصمت باسم الرضا، والناس يصفقون لمن يجيد التمثيل. أما العدل، ذلك الضيف النادر، فيقف عند آخر الزقاق ولا يعرف إلى أي باب يدخل.
ومنذ ذلك اليوم، صار شارع عليوة شارعًا آخر.
المحل كما هو، والرفوف كما هي، والناس كما هم، وعليوة كما هو. لكن العين التي رأت لم تعد العين التي كانت. وهذا هو عذاب المعرفة؛ أنها لا تغيّر العالم فورًا، لكنها تغيّر قدرتك على احتماله. ترى الواجهة نفسها، لكنك تعرف الآن ما خلفها. تسمع الضحكة نفسها، لكنك تسمع تحتها صوتًا آخر. تشتري الجبن، فتتذكر دموع من صنعته. تدفع الثمن، فتسأل نفسك: كم وصل منها إلى اليد المتعبة التي حملته؟
كنت أقول لنفسي: ربما ظلمته. ربما كان مضطرًا. ربما التجارة قاسية. ربما عليه ديون. ربما المرض جعله خائفًا من المستقبل. والإنسان إذا خاف، انكمش قلبه أحيانًا حتى لا يعود يتسع إلا لنفسه.
لكن التبرير لا يغسل الفعل. قد نفهم الخطيئة، لكن الفهم ليس براءة. وقد نرى دوافع الإنسان، لكن الدافع لا يلغي أثر السكين في اللحم.
شيئًا فشيئًا، لم يعد عليوة عندي مجرد بائع في محل صغير. صار رمزًا. صار سؤالًا يمشي على قدمين متعبتين. صار مرآة رديئة، لكنها صادقة بما يكفي لتخيفني.
لأن الحقيقة التي حاولت الهرب منها هي أن عليوة لا يسكن في ذلك المحل وحده.
عليوة قابع في قلب كل واحد منا.
في داخلنا جميعًا بائع صغير يتاجر بما يملك وما لا يملك. يبيع صورته للناس، ويعدّل صوته حسب الزبون، ويختار ضحكته بعناية، ويعرف متى يبدو مسكينًا ومتى يكون قاسيًا. في داخلنا من يحب أن يراه الناس ضحية، لأن الضحية لا تُسأل كثيرًا، ولا تُحاسَب بسرعة، وتُمنح أعذارًا مجانية.
في داخلنا عليوة حين نستعمل جراحنا لجذب التعاطف لا للشفاء. حين نتمسك بمرض ما لأنه صار جزءًا من صورتنا أمام الناس. حين نرفض النجاة لأن الغرق يمنحنا اهتمامًا أكثر. حين نحول الضعف إلى سلطة، والحاجة إلى تجارة، والابتسامة إلى شبكة صيد.
وفي داخلنا عليوة حين نكون لطفاء مع الأقوياء، قساة مع الضعفاء. حين نخفض صوتنا أمام من يملك، ونرفعه على من لا يملك. حين نمدح العدل في الكلام، ثم نخصم من حق امرأة عجوز لأنها لا تعرف كيف تصرخ.
الدنيا، تلك الكلمة الصغيرة التي ابتلعت أعمارنا، صارت محورًا تدور حوله أشياء كثيرة. نحن لا نعبدها صراحة، فهذا كلام فاضح لا يليق بنا، لكننا نخدمها بإخلاص مدهش. نلبس لها وجوهًا مختلفة. نضحك لها. نكذب لها. نؤجل ضمائرنا من أجلها. وإذا سألنا أحد، قلنا: إنها الحياة.
لكنها ليست الحياة. إنها الامتحان.
الحياة ليست أن تكسب أكثر، بل ألا تخسر نفسك وأنت تكسب. ليست أن يراك الناس طيبًا، بل أن تنجو من حاجة الناس إلى تصديق طيبتك. ليست أن تملك محلًا في الشارع، بل ألا يتحول قلبك إلى محل؛ تعرض فيه الرحمة بسعر، وتخفي فيه القسوة في المخزن الخلفي.
كنت أرى عليوة يزداد وزنًا، والناس يزدادون تعاطفًا معه. كلما ثقلت حركته، خفّت مقاومة الناس أمامه. كلما صعب عليه النفس، سهل عليه أن يفتح جيوبهم. وكلما بدا أقل جمالًا وصحة، شعر من حوله أنهم أجمل وأصحّ، فدفعوا ثمن هذا الشعور أيضًا.
كان يضحك للجميع. يرقص للجميع بطريقته الثقيلة. يوزع النكات كما يوزع أكياس السكر. ثم، في زاوية لا يراها الناس، يكيل الكلمات للسيدة العجوز كما يكيل الجبن ناقصًا. وكانت السيدة لا تملك ردًا. فالكرامة حين تجوع لا تموت، لكنها تصمت طويلًا.
وفي الصمت أحيانًا دعاء لا يسمعه إلا الله.
ظللت أمرّ من أمام المحل. أحيانًا ألقي السلام، وأحيانًا أكتفي بإيماءة عابرة. لم أعد أكرهه، فالكره رفاهية تحتاج إلى يقين كامل، وأنا لم أعد أملك يقينًا في البشر ولا في نفسي. لكنني لم أعد أحبه كما كنت. صار بيني وبينه زجاج شفاف؛ أراه من خلاله، ولا أستطيع أن ألمسه كما في السابق.
ربما كان عليوة ضحية وجلادًا في الوقت نفسه. وهذا ما يجعل الحكاية أكثر إيلامًا. فالشر الخالص نادر، والخير الخالص أندر. أغلبنا خليط مرتبك من الاثنين. نطعم قطة في الصباح، ونظلم إنسانًا في الظهيرة، ونبكي في الليل لأن العالم قاسٍ. نفتح الباب لعجوز في الحافلة، ثم نغلق قلوبنا في وجه عجوز أخرى إذا مست ربحنا.
نحن كائنات عجيبة؛ نحمل في الصدر مسجدًا وسوقًا، دعاءً ومساومة، دمعة وسكينًا. وفي كل لحظة يعلو واحد منها.
لهذا لم تعد حكاية عليوة عندي حكاية رجل بدين يدير محلًا صغيرًا قرب طريق عملي. إنها حكاية الدنيا حين ترتدي مريلة بائع، وحكاية النفس حين تكتشف أن لها أكثر من وجه، وحكاية الرحمة حين تتحول إلى ديكور جميل على باب القسوة.
ربما سأظل أسمي الشارع شارع عليوة، لا حبًا فيه كما كنت أفعل، بل تذكيرًا لنفسي. كي أتذكر أن الوجوه ليست براهين، وأن الضحك ليس شهادة صلاح، وأن المرض لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية، وأن الضعف لا يمنع الإنسان من أن يكون ظالمًا.
وكي أتذكر أيضًا أنني لست بريئًا تمامًا من عليوة.
ففي داخلي محل صغير، ورفوف مزدحمة، وحسابات كثيرة، وزبائن ينتظرون. وفي داخلي ضحكة أعرف متى أستعملها، وصوت صارم أخفيه حتى تأتي امرأة لا تملك إلا الصمت. وفي داخلي بدانة من نوع آخر، ليست على الجسد، بل على الروح؛ ثقل من الرغبات والمخاوف والمبررات، يجعلني أتحرك بصعوبة نحو الحق، وألهث إذا اقتربت من العدل.
اللهم خفف عنا ثقل نفوسنا.
اللهم لا تجعلنا ممن يبتسمون في وجوه الناس ويكسرون قلوب الضعفاء في الخفاء.
اللهم ارزقنا عينًا ترى الحقيقة، وقلبًا لا يستمتع بفضحها، ويدًا لا تبخس حق من لا يملك أن يطالب به.
أما عليوة، فما زال هناك. يفتح محله في الصباح، يضحك، يبيع، يشتري، يلهث، يتصبب عرقًا، ويجاهد كي يعبر المسافة القصيرة بين الميزان والثلاجة.
والناس ما زالوا يمرون عليه، يشترون منه ما يحتاجون وما لا يحتاجون.
والشارع ما زال يمضي في طريقه، كأن شيئًا لم يحدث.
لكنني أعرف الآن أن الحكاية لم تنته.
عليوة… قصة لا تنتهي.




