كاتب ومقال

مصر بين منجمين.. ذهب تحت الأرض وبيانات فوقها

بقلم: شحاته زكريا

حين يمر المرء بأودية الصحراء الشرقية الشاسعة لا يملك إلا أن يتأمل تلك التلال الصامتة التي حفظت أسرار الفراعنة لآلاف السنين. أرض حُفرت فيها أولى خرائط مناجم الذهب في التاريخ الإنساني على ورق البردي وظلت لقرون طويلة مصدرا للدهشة والبريق. واليوم ونحن نتابع زخم مزايدات التنقيب وجولات الترويج لقطاع التعدين وجذب كبرى الشركات العالمية لاستكشاف صخور الدرع العربي النوبي الممتد من جنوب سيناء إلى حدودنا الجنوبية ندرك أن تلك الجبال لم تبح بعد بكل ما في جوفها وأن شهية الدولة لتعظيم ثرواتها التعدينية ليست مجرد تطلع اقتصادي عابر بل محاولة ملحة لفك شفرات ثروة عطلها الإهمال والروتين عقودا طويلة غير أن هذا المشهد على جاذبيته وبريقه لم يعد يروي حكاية المستقبل كاملة. فبينما تتجه عيون الرأسمال وأذرع الحفارات العملاقة لتفجير الصخور بحثا عن عروق الكوارتز الأصفر يتشكل في قلب الحواضر والمدن المصرية منجم آخر لا يُقاس بالجرامات ولا بالسبائك بل بحزم البيانات المتدفقة عبر الألياف الضوئية والخوادم الرقمية ومراكز الحوسبة السحابية لقد ظل الاقتصاد التقليدي لعقود طويلة مسكونا بفكرة ماذا تملك في باطن الأرض؟ واختزلت قوة الدول في براميل النفط وأطنان المعادن واحتياطيات الغاز. لكن العالم الذي نعيش فيه الآن تجاوز هذه المقايضة الميكانيكية البسيطة فالدول الأكثر ثراءً ونفوذا ليست بالضرورة هي التي تطفو فوق بحار من الموارد الخام بل تلك التي تملك المعرفة الكافية لإدارة مواردها وتطويرها وتستطيع تحويل المادة الصماء إلى منتج صناعي وتكنولوجي يحمل قيمة مضافة حقيقية.. تأمل معي قطاع التعدين نفسه اليوم: هل يمكن لشركة استكشاف كبرى أن تحفر مترا واحدا في الصحراء دون بيانات جيوفيزيائية ونماذج رقمية معقدة وصور أقمار صناعية تحلل طبقات الأرض بدقة متناهية؟ التكنولوجيا هي التي توفر ملايين الدولارات المهدرة في الحفر العشوائي والذكاء الاصطناعي هو الذي بات يفرز العينات ويحدد بدقة أين ومتى نبدأ العمل. إذن حتى الذهب القابع في ظلمات الصخور لم يعد بالإمكان استخراجه بكفاءة دون المنجم الرقمي الذي يعمل فوق الأرض.. لكن المسألة تتجاوز حدود خدمة قطاع بعينه فالحديث عن منجم البيانات في بلد بحجم مصر يقطنه أكثر من مئة مليون إنسان هو حديث عن عصب التخطيط الوطني والإنتاج اليومي. حركات السلع في الأسواق ومسارات الشاحنات على الطرق الجديدة واستطاعات شبكات الطاقة، واستهلاك المياه في الأراضي المستصلحة، وسجلات الصحة العامة، كل هذه التدفقات ليست أرقاما ترص في دفاتر الإحصاء أو ملفات تحفظ على السيرفرات بل هي في جوهرها مادة خام أغلى من الذهب إن أُحسنت قراءتها.. البيانات الدقيقة هي التي تحمي المستثمر من مفاجآت السوق غير المحسوبة وهي التي تمنع إهدار المليارات في مشروعات بلا جدوى حقيقية وهي التي تمكن صانع القرار في الأقاليم والقرى والمدن من وضع ميزانيته حيث توجد المشكلة لا حيث يرتفع الصراخ. غياب التحليل الرقمي الرشيد يجعلنا نتحرك في حقل ألغام من التخمينات والتجارب بينما امتلاكه يمنحنا القدرة على استباق الأزمات التمويلية واللوجستية قبل أن تقع…وهنا نقف أمام بيت القصيد في معادلتنا الوطنية: هل المطلوب أن نبيع الذهب خاما لنشتريه مصنعا بأضعاف سعره وأن نجمع البيانات لنخزنها دون أن نحولها إلى سياسات وقرارات وصناعات؟

التجربة التاريخية علمتنا أن الدول النامية التي ارتكنت فقط إلى بيع خاماتها تحولت إلى أسواق مستهلكة تابعة للتقلبات العالمية انخفضت الأسعار فتعثرت ميزانياتها وارتفعت فأنفقت أموالها في استهلاك سريع لم يترك وراءه قاعدة صناعية. مصر ليست دولة غنية بالموارد بالمعنى الريعي لكنها تملك ميزة هائلة تكمن في الجغرافيا والبنية الأساسية المتسارعة ورأس المال البشري. وإذا أردنا لقطاع التعدين أن يكون قاطرة حقيقية للنمو فلا بد أن يرتبط بمجمعات لصهر المعادن وتنقيتها وتصنيعها محليا وبحوث جامعية ترتقي بكفاءة الكوادر الجيولوجية المصرية وتطبيقات ذكية تخفض البصمة الكربونية للتعدين.. وبالمثل فإن آلاف الكيلومترات من كابلات الاتصالات البحرية التي تعبر الأراضي المصرية بين الشرق والغرب ومراكز البيانات الكبرى التي تم تدشينها على مدار السنوات الماضية يجب ألا تظل مجرد مسارات مرور للتدفقات الرقمية العالمية. قيمتها الحقيقية لن تتحقق إلا حين تصبح مصر منصة إقليمية حقيقية لصناعة البرمجيات وتحليل سلاسل الإمداد وتصدير الخدمات الرقمية عبر عقول شبابها الذين يثبتون كل يوم كفاءتهم في سوق العمل الحر والشركات التكنولوجية الكبرى.. في ميزان الحسابات الاقتصادية الرشيدة لا وجود لمفاضلة مصطنعة بين ثروات الأرض وثروات العقل بل هما ذراعان لجسد واحد. الذهب يمنحنا السيولة والاحتياطي ويعزز الجدارة الائتمانية للاقتصاد لكن البيانات والمعرفة هما اللذان يحميان هذا الاقتصاد من الجمود ويصنعان له مناعة حقيقية ضد تقلبات الأسواق العالمية.. إن أعظم ثروة تملكها مصر اليوم تقف تماما في المسافة الفاصلة بين المنجمين في ذلك المهندس الذي يجوب الجبال بأجهزة الرصد وذلك الشاب الذي يجلس خلف شاشته في أقصى الريف أو الحضر ليطور خوارزمية تخدم مصنعا أو تحل مشكلة ري في حقل قروي. الموارد الطبيعية هبة من الجغرافيا والتاريخ لكن إدارة الموارد وصناعة الأثر هي صناعة بشرية خالصة.. ولعلنا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخنا الاقتصادي أحوج ما نكون إلى التخلي عن عقلية المغارة والكنز  لنتبنى عقلية الورشة والمنظومة فالأرض ستظل كريمة مع من يحرثها بعلم لكن المستقبل لن يدين بالولاء إلا لمن يعرف كيف يحول تراب الأرض وبريق الشاشات إلى كرامة وطنية وقوة إنتاج حقيقية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى