حين تسير السفينة وتغرق الذات”

تُتداول عبارة «كي تسير السفينة» باعتبارها دعوة للحكمة وتغليب المصلحة العامة، غير أنها في كثير من الأحيان تتحوّل إلى غطاء نفسي يبرّر التنازل المستمر عن الذات، ويُمهّد لانهيار داخلي هادئ لا يُرى من الخارج.
عندما يختار الإنسان الاستمرار على حساب نفسه، فهو لا يسعى إلى التيسير بقدر ما يدرّب وعيه على فكرة خطيرة: أن وجوده قابل للإلغاء، وأن حدوده يمكن تجاوزها، وأن ألمه مؤجَّل دائمًا. التنازل هنا لا يكون موقفًا عابرًا، بل سلوكًا يتكرّس مع الوقت.
المشكلة أن التنازل الأول نادرًا ما يكون الأخير. فكل مرة يصمت فيها الإنسان عن ضيقه، يتعلّم جهازه النفسي أن هذا النوع من الألم «مقبول». ومع التكرار، لا يعتاد الآخرون فقط على تجاوز حدوده، بل يعتاد هو نفسه العيش منفصلًا عن شعوره الحقيقي.
من الخارج، تبدو العلاقة أو المسار الحياتي مستقرًا: لا صراعات واضحة، ولا انهيارات صاخبة، ولا قرارات حاسمة. لكن في الداخل تتراكم مظاهر أخرى أكثر خطورة؛ توتر مزمن، قلق خفي، ضيق بلا سبب مباشر، وإحساس دائم بعدم الانتماء إلى الحياة التي يعيشها. ومع هذا كله، يظل السؤال الجوهري مؤجَّلًا:
هل ما أعيشه يشبهني حقًّا؟
فما المقصود حقًّا بأن «تسير السفينة»؟
هو أن يصمت الإنسان كلما قال: لست مرتاحًا.
أن يستمر في طريق لا يشبهه خوفًا من خسارة علاقة أو صورة أو استقرار ظاهري.
أن يؤدي أدوارًا لم يخترها، فقط كي لا ينهار الشكل العام لما يبدو علاقة ناجحة أو حياة مستقرة.
ومع كل تنازل، لا يبتعد الإنسان عن الآخرين بقدر ما يبتعد عن نفسه. وحين يقنع ذاته بأن المهم هو أن السفينة تتحرّك، يغفل عن حقيقة بسيطة: إذا ترك كرامته على الشاطئ، فلن يكون الوصول سببًا للفرح. فما سار من دون الإنسان، لا يصل من أجله.
ومن يقبل أن يُهان مرة، غالبًا ما يجد نفسه يبرّر الإهانة مرارًا، لا ضعفًا منه، بل لأنه حاول النجاة بلا حدود واضحة. ومع الوقت، يصبح الصمت عادة، والتنازل هو القاعدة.
وهنا يبرز السؤال الحاسم: أي سفينة تلك التي تسير والإنسان متوقف؟ متوقف في روحه، في حلمه، في إحساسه بالحياة. فليس كل رضا دليل سلام، وليس كل صمت إنقاذًا. في كثير من الأحيان، يكون الصمت تآكلًا بطيئًا للنفس.
راجع أي علاقة أو مسار يستهلكك أكثر مما يدعمك. واسأل نفسك بصدق: هل أختار هذا عن وعي واقتناع؟ أم بدافع الخوف من الخسارة؟ فالخوف قد يدفع السفينة إلى الحركة، لكنه نادرًا ما يمنحها اتجاهًا آمنًا.
ولتعلم أمراً..
«من يضحّي بنفسه كي تسير السفينة، يكون أول من يُلقى خارجها عند أول عاصفة.»
اختر الطريق الذي يحملك كما أنت، لا ذاك الذي يشترط أن تتلاشى كي يستمر.




