كاتب ومقال

الشخصية المصرية و عبقرية الإنتصار

بقلم: د. عمرو سليمان

كل عام ومصر العزيزة بخير، وكل عام وشعب مصر العظيم بخير.

في شهر النصر، وفي ذكرى السادس من أكتوبر المجيد، نقف أمام واحدة من أعظم صفحات التاريخ المصري الحديث؛ صفحة لم يكن فيها النصر مجرد انتصار عسكري، وإنما كان استعادةً للكرامة، ورفعًا للراية، واستردادًا لحقٍ وأرضٍ ظلت في وجدان المصريين حاضرة لا تغيب.

لم يتعامل المصريون مع حرب أكتوبر باعتبارها نصرًا عاديًا، بل كانت لحظة تاريخية استعادت فيها الأمة المصرية ثقتها بنفسها، وأثبت فيها الإنسان المصري أن الانكسار لا يعني الاستسلام، وأن الأرض التي يحبها الإنسان و وُلد فيها لا يمكن أن تغيب عن وجدانه.

ولعل ذلك يرتبط بجانب أصيل من جوانب الشخصية المصرية؛ تلك الشخصية التي ارتبطت بالأرض منذ فجر التاريخ. فالمصري بطبيعته محب لأرضه، عاشق للبناء والعمران، وصاحب حضارة قامت على العمل والاستقرار والإنتاج، لكنه في الوقت نفسه عرف دائمًا أن البناء يحتاج إلى حماية، وأن السلام لا يعني غياب القوة.

منذ فجر التاريخ المصري، عرف المصريون قيمة الدولة وقيمة الجيش وحماية الحدود. ومن مينا موحد القطرين، إلى أحمس الذي أنهى خطر الهكسوس، وإلى تحتمس الثالث ورمسيس الثاني وغيرهما من القادة الذين تركوا صفحات بارزة في التاريخ العسكري المصري، ظل هناك خيط ممتد يجمع بين بناء الدولة وحماية مقدراتها.

وفي التاريخ المصري أيضًا تبرز شخصيات نسائية عظيمة، مثل الملكة حتشبسوت، التي ارتبط عصرها بالتنمية والتجارة والبناء و القوة العسكرية لتؤكد أن الحضارة المصرية لم تكن حضارة حرب فقط، وإنما كانت حضارة بناء وإبداع وتنمية.

وهنا تكمن إحدى السمات اللافتة في التجربة المصرية: الجمع بين حب الحياة وقوة الدفاع عنها، وبين البناء والاستعداد لحماية ما تم بناؤه.

وفي السادس من أكتوبر 1973، جاءت اللحظة التي انتظرها المصريون طويلًا.

عبر الجيش المصري قناة السويس، واقتحم خط بارليف، وبدأت معركة استعادة الأرض والحق. لم يكن الهدف المصري التوسع أو الاعتداء على أرض الآخرين، وإنما كان استرداد الأرض المصرية المحتلة، واستعادة السيادة والكرامة.

وكان العبور العسكري تعبيرًا عن إرادة شعب بأكمله؛ جيشًا وشعبًا، قيادةً وجنديًا، وقفوا جميعًا خلف هدف واضح: تحرير الأرض المصرية.

وكان من أبرز مشاهد العبقرية العسكرية المصرية في حرب أكتوبر حسن التخطيط، والتدريب، واستخدام العلم والهندسة في التغلب على موانع مائية وتحصينات اعتقد البعض أنها عصية على الاختراق.

لكن أكتوبر لم يكن نهاية القصة.

فاستعادة الأرض لم تكن غاية منفصلة عن بناء المستقبل. ومن هنا بدأت مرحلة أخرى من مراحل العلاقة المصرية مع سيناء: مرحلة التنمية والتعمير والبنية الأساسية والاستثمار في الإنسان والمكان.

فالمصري الذي حمل السلاح في أكتوبر هو نفسه المصري الذي يبني ويزرع ويشيد ويعلم ويعالج ويطور. الجندي المصري في الأصل ابن هذا الوطن؛ قد يكون مزارعًا يحب أرضه، أو عاملًا يبني مصنعًا، أو مهندسًا يشيد طريقًا، أو معلمًا يبني عقلًا، لكنه عندما تناديه بلاده يقف مدافعًا عنها.

وهذه هي عبقرية الشخصية المصرية في أحد تجلياتها الكبرى: أن البناء والدفاع ليسا نقيضين، بل وجهان لحماية الوطن وصناعة مستقبله.

واليوم، ونحن نعيش في عصر مختلف، تتغير فيه طبيعة التحديات وتتسارع فيه التكنولوجيا، تظل هذه المعادلة حاضرة: دولة تسعى إلى التنمية، ومجتمع يريد حياة أفضل، ومؤسسات تعمل على حماية الأمن القومي ومقدرات الدولة.

ومن مشروعات البنية الأساسية والتنمية إلى مشروعات «حياة كريمة»، ومن تطوير المدن والطرق والخدمات إلى التوسع في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الحديث، تتواصل مسيرة بناء مصر.

إن قوة مصر لا تُقاس فقط بما تمتلكه من أدوات القوة، ولا بما تشيده من مشروعات، وإنما أيضًا بقدرة الإنسان المصري على الجمع بين الانتماء والعمل والصبر والإبداع.

فالمصري الذي عبر قناة السويس في أكتوبر هو ذاته المصري الذي يستطيع أن يعبر تحديات المستقبل.

وإذا كانت حرب أكتوبر قد أثبتت أن الإرادة المصرية قادرة على استعادة الأرض، فإن معارك التنمية تثبت أن الإرادة ذاتها قادرة على بناء المستقبل.

وهنا نقف أمام درس تاريخي مهم:

الوطن الذي نحبه هو وطن نبنيه، والوطن الذي نبنيه هو وطن نحميه، والقوة الحقيقية هي أن تمتلك الدولة القدرة على حماية أرضها، وفي الوقت نفسه القدرة على بناء حياة أفضل لأبنائها.

إن عبقرية الشخصية المصرية ليست في الحرب وحدها، ولا في البناء وحده، وإنما في القدرة على الجمع بينهما؛ بين قوة تحمي، وعقل يخطط، ويد تبني، وقلب يرتبط بالأرض.

وفي شهر النصر، نستعيد ذكرى أبطال أكتوبر بكل تقدير، ونستحضر أرواح الشهداء الذين قدموا أغلى ما يملكون من أجل الوطن، وننظر إلى المستقبل بثقة ومسؤولية.

تحية إلى جيش مصر.

تحية إلى شهداء مصر.

تحية إلى كل مصري ساهم في بناء هذا الوطن وحمايته.

وتحية إلى مصر، أرض الحضارة والتاريخ، التي أثبت أبناؤها عبر آلاف السنين أن حب الوطن ليس مجرد كلمات، وإنما عمل وتضحية وبناء ومسؤولية.

كل عام ومصر بخير.
كل عام وشعب مصر بخير.
كل عام ومصر قوية، آمنة، قادرة على البناء وصناعة المستقبل.

تحيا مصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى