كاتب ومقال

وجود العدم

ليست كل أشكال العدم تعني الغياب، ولا كل صور الحياة تعني الوجود.

فقد يظل الإنسان حاضرًا بجسده، يؤدي أدواره اليومية بإتقان، يذهب إلى عمله، ويشارك الآخرين أحاديثهم، ويبتسم حين تستدعي المجاملة ابتسامة، ثم يعود في نهاية يومه وهو يشعر أن شيئًا منه لم يعش هذا اليوم. لقد مر الوقت، وأدى ما عليه، لكنه لم يضف إلى وجوده شيئًا، ولم يقترب من نفسه خطوة واحدة.

إنها الحالة التي يمكن وصفها بـ “وجود العدم”؛ أن يتحول الإنسان إلى صورة من ذاته، لا إلى ذاته الحقيقية.

وهذه الحالة لا تبدأ بانهيار صاخب، ولا تولد من هزيمة واحدة. إنها تتسلل بهدوء، حتى يصبح التخلي عن النفس عادة لا قرارًا.

فالبدايات دائمًا صغيرة.

يتخلى الإنسان عن حلم، بحجة أن الظروف لم تعد مناسبة.

ثم يؤجل محاولة أخرى، لأنه لا يريد خيبة جديدة.

ثم يتوقف عن إصلاح ما يعرف أنه يحتاج إلى إصلاح، ليس لأنه مستحيل، بل لأنه لم يعد يؤمن أن الإصلاح يستحق العناء.

ومع الوقت، لا ينسحب من مشروع أو علاقة أو هدف…

بل ينسحب من نفسه.

وأخطر ما في هذه الحالة أن النفس لا تقدم الاستسلام بوصفه هزيمة، بل بوصفه راحة. فهي تمنح الإنسان مبررًا يبدو منطقيًا، بل ويحظى بتعاطف الجميع “أنا تعبت.”

والتعب حقيقة لا يمكن إنكارها؛ فكل إنسان يمر بلحظات يضعف فيها، وتتراجع فيها طاقته وقدرته على الاحتمال. لكن المشكلة لا تبدأ مع التعب، وإنما تبدأ حين يتحول التعب من حالة إنسانية مؤقتة إلى فلسفة دائمة للحياة، وحين يصبح الإرهاق حكمًا نهائيًا على كل ما لم يحدث بعد.

هنا يقع الإنسان في واحدة من أخطر الخدع النفسية؛ إذ يبدأ في استخدام الماضي ليحاكم المستقبل.

لأنه فشل مرة، يوقن أن كل المحاولات القادمة ستفشل.

ولأنه خُذل في علاقة، يعتقد أن الثقة لم تعد ممكنة.

ولأنه تعب من السعي، يقرر أن الطريق كله لا يستحق السير.

إنها ليست قراءة للواقع، بل استسلام لتفسير واحد للواقع، حتى يتحول هذا التفسير إلى سجن يغلق كل الاحتمالات الأخرى.

والأخطر أن الإنسان لا يشعر بذلك وهو يحدث. فهو لا يعلن انسحابه من الحياة، بل ينسحب منها بالتقسيط.

يتخلى عن تجربة، ثم عن فرصة،ثم عن حلم.

ثم عن جزء من شخصيته.

إلى أن يستيقظ بعد سنوات، ليكتشف أنه لم يفقد الأشياء فقط، بل فقد الشخص الذي كان يمكن أن يصبحه.

ولعل الرجل يعيش هذه الحالة بطريقة تختلف عن المرأة، وإن تشابه الجوهر.

فالرجل كثيرًا ما يختبئ خلف فكرة القوة. يتظاهر بأن توقفه عن المحاولة قرار عقلاني، بينما يكون قد استبدل الشجاعة بالحذر، والأمل بالحسابات الباردة. يواصل العمل، ويؤدي مسؤولياته، لكنه يفقد تدريجيًا رغبته في التغيير، ويبدأ في إدارة حياته بدل أن يصنعها. وما يبدو للآخرين اتزانًا قد يكون في داخله صورة أخرى من الاستسلام الصامت.

أما المرأة، فقد لا تعلن انسحابها هي الأخرى، لكنها تبدأ في تخفيض سقف ما تراه مستحقًا لها. تتنازل عن احتياجاتها النفسية، وتعتاد تأجيل نفسها، وتتصالح مع القليل، لا لأنه يرضيها، بل لأنها أقنعت نفسها أن المطالبة بالأكثر رفاهية لا يملكها المتعبون. وهكذا تتحول المرونة إلى تنازل، والصبر إلى استنزاف، والاعتياد إلى بديل عن الحياة.

وفي الحالتين، لا يكون الخطر في التعب نفسه، بل في السلطة التي يمنحها الإنسان لتعبه. فحين يصبح الإرهاق هو من يحدد قيمة الأحلام، أو يرسم حدود المستقبل، أو يقرر ما يستحق المحاولة وما لا يستحقها، فإن الإنسان لا يعود ضحية لما مر به فقط، بل يصبح أسيرًا للطريقة التي فسر بها ما مر به.

ولهذا، فإن أخطر صور الضحية النفسية ليست دائمًا تلك التي كسرتها الصدمات، وإنما تلك التي سمحت للصدمات أن تكتب تعريفها الجديد لذاتها. فالجرح، مهما كان عميقًا، يظل حدثًا في الماضي، أما تحويله إلى هوية، فهو قرار يمتد أثره إلى المستقبل كله.

إن الحياة لا تطلب من الإنسان ألا يتعب، ولا ألا يفشل، ولا ألا ينكسر. لكنها تطلب منه أمرًا أكثر صعوبة: ألا يمنح لحظة ضعفه حق كتابة بقية عمره.

فالتعب يحتاج إلى راحة، واليأس يحتاج إلى احتواء، والانكسار يحتاج إلى وقت. أما الاستسلام الذي يرتدي ثوب الحكمة، ويقنع الإنسان بأن انسحابه هو آخر أشكال النجاة، فليس إلا صورة مهذبة للعدم؛ وجودٌ يؤدي وظائفه، بينما غابت عنه إرادة الحياة.

أقسى ما يفعله اليأس بالإنسان أنه لا يسرق منه ما يملك, بل يسرق منه ما كان يمكن أن يكونه.

بقلم: د. محمود علام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى