رئيس قطاع الإنتاج الوثائقي بالشركة المتحدة في حوار حول كواليس وثائقيات نصر أكتوبر
المخرج شريف سعيد: مهمتنا تعزيز السردية الوطنية وقدمنا 7 أفلام وثائقية عن نصر أكتوبر

حوار: رضا الشويخي
ما يزال أكتوبر وحكاياته رحلة ملهمة في مختلف المجالات، لمن أردوا أن يتعلموا الدروس العسكرية، ولمن سلكوا السبيل في الفن ليبرزوا هذا النصر الأبرز في مصر الحديثة، ولأجيال قد يغيب عنها عبقرية النصرية ومرارة الهزيمة، فإلى هؤلاء جميعًا نكتب في ملف “حكايات النصر” الذي نسلط فيه الضوء على أكتوبر والعبور من الهزيمة إلى رايات شامخة وعزيمة لا تلين، وفي حوار صحفي أجرته منصة “كلمتنا” مع الكاتب والمخرج شريف سعيد، رئيس قطاع الإنتاج الوثائقي بشركة المتحدة للخدمات الإعلامية والقائم على قناة “الوثائقية”، تناول الحوار حكايات أفلام أكتوبر على شاشة الوثائقية، الرؤية الفلسفية والعملية لصناعة الإعلام الوثائقي في مصر، ومواجهة محاولات تزييف التاريخ والوعي لدى الشباب، إلى جانب استعراض التفاصيل الكاملة للخريطة الإنتاجية الخاصة بحرب أكتوبر المجيدة والتحديات الهيكلية والتقنية التي تواجه هذه الصناعة.
كيف يمكن مواجهة تزييف التاريخ والوعي لدى الشباب ودور قطاع الإنتاج الوثائقي بشكل عام؟
أعرب سعيد عن تقديره لما تقوم منصة كلمتنا، مؤكدًا أن مصر، بحكم موقعها وتاريخها منذ القدم، تقع على “ناصية حلم كل الحضارات”. وبناءً على هذه الطبيعة التاريخية والجغرافية، فإن محاولات الاستهداف، التزييف، التشويه، الاختزال، أو عمليات “القص واللصق” المتعلقة بتاريخها، هي محاولات مستمرة ولن تتوقف مطلقًا، وهذا ما فرضته طبيعة التاريخ والجغرافيا.
كيف يمكن مواجهة ذلك؟
أوضح سعيد أن جميع المؤسسات (سواء التعليمية، الإعلامية، أو الفنية) تقع على عاتقها مسؤولية المواجهة والرصد، كلٌّ في موقعه وتخصصه، مضيفًا أنه يقع على عاتق “القناة الوثائقية” بشركة المتحدة للخدمات الإعلامية مسؤولية تدوين وترسيخ المروية المصرية وحكايتها الوطنية، خاصة بعد أن تُركت الحكاية المصرية لسنوات طويلة في “مهب الريح” ليعبر عنها آخرون. ومن هنا تبرز أهمية الصناعة الوثائقية ومواجهة محاولات التزييف أو التزوير وأيضًا الاختزال والاجتزاء وعدم حيادية العرض وكذا اصطناع الموضوعية ودس السم في العسل في نهايات العمل، وهو ما دأبت عليه قنوات ومواقع ومنصات واترك القوس مفتوحًا.
وحول إشكالية “تحصين الوعي” وتحديات العصر الرقمي، انتقد المخرج شريف سعيد، مصطلح “تحصين الوعي”، موضحًا عدم تبنيه أو تفضيله لمصطلح “تحصين الوعي”؛ لما ينطوي عليه المصطلح أحيانًا من إيحاءات بالاستعلاء أو التوجيه والمباشرة، وهو أمر أصلحه الفكر الإعلامي المعاصر وأصبح صعب التطبيق في عصر “السماوات المفتوحة”.، في ظل تعدد التوجهات والأفكار.
وأشار إلى أنه في واقع العالم المفتوح أصبح المستخدم والمشاهد العادي يتصفح هاتفه الذكي ليتعرض لضخ معلوماتي وافي من مختلف الاتجاهات والمنصات (مثل منصات تيك توك وغيرها)؛ حيث تتداخل الرسائل بين أفكار جماعات إرهابية، اتجاهات سلفية، أو دعاية صهيونية، دون أن يملك المتلقي العادي الوقت أو الأدوات للبحث عن جذور ومآرب تلك الرسائل.
ويضيف المخرج شريف سعيد أن هناك أهمية لدعم المناعة الفكرية، بديلًا عن “التحصين”، معتبرًا أن الوظيفة الأساسية للإعلام الوثائقي تتلخص في “دعم مناعة المتلقي” المصري والعربي قدر المستطاع، لمساعدته على الصمود أمام هذا السباق المحموم.
كيف نترجم هذا الدعم بخطوات عملية على أرض الواقع؟
الحقيقة، أن أعمالنا على شاشة الوثائقية هي جزء من هذه الخطوات التي نقوم بها بأشكالها وقوالبها المختلفة لنشر الحقائق ومجابهة الشائعات.
وشهد الحوار تركيزًا واسعًا على كيفية الرد على الشبهات والمغالطات التي تطال حرب أكتوبر، حيث أشار سعيد إلى أن بعض المنابر الإعلامية المنحازة تعمد في تقاريرها وفيشراتها الإخبارية إلى وصف نصر أكتوبر بأنه “نصف نصر ونصف هزيمة”، وهو ما عدّه تبنيًا صريحًا للرواية الصهيونية ودورًا كـ “صهيونية بالوكالة” لزرع هذه المفاهيم في العقل الجمعي والوجدان العام، وهو ما دأبت عليه بعض القنوات والمنصات التابعة لها.
كيف يمكن استثمار الثراء الفكري والمعلوماتي المصري فيما يتعلق بحرب أكتوبر والتعريف بحكايات من شاهدوها وعاصروها؟
يوضح سعيد أن المصريين لديهم قاموس الأمثال الشعبي حاضر في مثل هذه المواقف، ومن بينها: “المية تكذب الغطاس”، ولذلك لدينا حقائق دامغة والدلائل عليها، وردًا على هذه المحاولات، أكد سعيد أن القاعدة الأساسية لديهم هي أن “الوثيقة تجبّ أي شيء وتدفن أي ادعاء”، ومن هنا كان التنوع والثراء على شاشة الوثائقية، منذ انطلاقها في فبراير 2023، لتعزيز الانتماء والتأكيد على الرواية المصرية التي تؤكد هذه الحقائق.
ويتابع المخرج شريف سعيد، رئيس قطاع الإنتاج الوثائقي بشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، انه احتفاءً بالذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات حرب أكتوبر المجيدة، عرضت العديد من الأعمال المتميزة لتوثيق بطولات القوات المسلحة المصرية، وتسجيل تضحيات أبطالها، وتعريف الأجيال الجديدة ممن لم يعاصروا تلك الأحداث بلحظات النصر المضيئة في تاريخنا.
وشملت خريطة قطاع الإنتاج الوثائقي بشركة المتحدة إنتاج 7 أفلام وثائقية وسلسلتين وثائقتين، تتناول محطات وأحداث وشخصيات بارزة، وتقدم شهادات ووثائق ومواد أرشيفية نادرة.
وتضم قائمة الأفلام فيلم «خطاب النصر»، الذي يتناول خطاب الرئيس الراحل محمد أنور السادات أمام مجلس الشعب في 16 أكتوبر 1973، راصدًا الظروف التاريخية والعسكرية والسياسية المحيطة به، وتفاصيل صياغته وإلقائه في اليوم الحادي عشر للحرب، وما حمله من رسائل للداخل والخارج، وهو خطاب محمل بالشفرات والرسائل للداخل والخارج.
ويرصد فيلم «غرفة العمليات.. حكاية المركز رقم 10» قصة مركز القيادة الرئيس للقوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر، المعروف بـ«المركز رقم 10»، الذي أُنشئ في سرية تامة تحت الأرض عقب صدمة يونيو 1967، ضمن عملية إعادة بناء القوات المسلحة على أسس علمية، متتبعا قصة إنشاء المركز وتصميمه وإجراءات إخفائه، من خلال شهادات عسكريين وخبراء ومؤرخين.
ويقدم فيلم «الشاذلي.. رئيس أركان النصر» سيرة الفريق/ سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية خلال حرب أكتوبر، متتبعًا مسيرته منذ نشأته، والتحاقه بالكلية الحربية ومشاركته في حرب فلسطين، وتأسيسه أول كتيبة مظلات بالجيش المصري، مرورًا بدوره خلال حرب الاستنزاف، ووصولًا إلى لحظة التخطيط والإعداد لمعركة العبور. ويركز الفيلم على الدور العسكري للفريق سعد الدين الشاذلي في معركة العبور وإعادة قراءة مرويته بموضوعية علمية، بعد أن تُركت مرويته لسنوات طالتها محاولات التوظيف السياسي والتشويه من قِبل التيارات المتأسلمة. وأشار سعيد إلى أن الفيلم يستند إلى الحقائق والوثائق، مستشهدًا بتكريم الرئيس عبد الفتاح السيسي لاسم الفريق الشاذلي في احتفالات اليوبيل الذهبي عام 2023.
ويوثق فيلم «معركة المنصورة.. يوم انكسرت أجنحة العدو» واحدة من أبرز المعارك الجوية في التاريخ العسكري، التي استمرت لأكثر من 50 دقيقة، راصدًا تفاصيل المعركة وموثقًا شهادات بعض أبطالها الذين ما زالوا على قيد الحياة.
ويتناول فيلم «عبد القادر حاتم.. قصة رجل خدع العدو» سيرة الدكتور محمد عبد القادر حاتم، نائب رئيس وزراء الحكومة التي عُرفت بـ”حكومة الحرب”، ووزير الإعلام خلال حرب أكتوبر، موثقًا مشاركته في إعداد وتنفيذ خطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت الحرب، وإدارة الإعلام المصري قبل وأثناء المعركة.
ويوثق فيلم «حائط الصواريخ» ملحمة بناء منظومة الدفاع الجوي المصرية عام 1970، ودورها في تأمين سماء الجبهة خلال حرب أكتوبر، متتبعًا مراحل التخطيط والإعداد والإنشاء التي جرت تحت القصف المستمر خلال حرب الاستنزاف، ومسلطًا الضوء على عملية تحريك المنظومة على الجبهة خلال الساعات الأخيرة قبل دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وفق مبادرة روجرز الثانية 1970، وما مثله اكتمال «حائط الصواريخ» من تحول استراتيجي في مسار المواجهة العسكرية، ودوره الدفاع الجوي في نصر أكتوبر المجيد.
ويروي فيلم «سر الشفرة» قصة البطل المصري/ أحمد إدريس، صاحب فكرة استخدام اللغة النوبية شفرة للاتصالات الشفهية خلال حرب أكتوبر، متتبعًا رحلته منذ مولده في أسوان وانتقاله إلى القاهرة وتأثره بأحداث معركة الإسماعيلية، ثم تطوعه في القوات المسلحة عقب ثورة يوليو/ تموز 1952، وصولًا إلى لقائه بالرئيس محمد أنور السادات قبيل الحرب، راصدًا دور الشفرة في إرباك العدو خلال الحرب، وتحقيق نصر أكتوبر المجيد.
وتقدم السلسلة الوثائقية «أكتوبر في الوثائق الأمريكية» قراءة توثيقية معمقة في عدد من الوثائق الأمريكية المفرج عنها، الخاصة بحرب أكتوبر، والتي تكشف عن معلومات مهمة واتصالات سرية جرت قبيل وأثناء الحرب، وترصد السلسلة المفاجأة الأمريكية لحظة العبور، وصدمة واشنطن من الخسائر الإسرائيلية خلال الأيام الأولى من المعركة، وقصة الجسر الأمريكي لتعويض خسائر إسرائيل، وحقيقة «الثغرة»، وأثر سلاح النفط العربي، وصولًا إلى خروقات إسرائيل لقرار وقف إطلاق النار، والشروط التي فرضتها مصر على مائدة التفاوض عقب انتهاء الحرب من موقع الطرف المنتصر.
وتابع سعيد، أنه
استمرارًا لنجاحات المواسم الثلاثة السابقة، يسجل الموسم الرابع من السلسلة الوثائقية «أنا حاربت إسرائيل»، هذا العام شهادات خاصة وحصرية جديدة لعدد من أبطال حرب أكتوبر من مختلف محافظات مصر ومدنها وقراها
حيث يروي ضباط الجيش المصري وجنوده تفاصيل بطولاتهم على جبهات القتال، وحكاياتهم عن أبرز المعارك والعمليات التي شهدتها الحرب.
وتأتي هذه الأعمال في إطار حرص قناة «الوثائقية» على توثيق بطولات القوات المسلحة المصرية وتضحيات أبطالها، وإلقاء الضوء على المحطات الكبرى في تاريخنا، بما يسهم في تقديم مروية موثقة للأجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الأحداث الكبرى.
ما أبرز التحديات التي تواجه الصناعة الوثائقية؟
يجيب المخرج شريف سعيد أن التحدي الأول للصناعة الوثائقية عالميًا هو التمويل؛ كون الفيلم الوثائقي منتجًا طويل الأمد في تصنيعه، طويل الأمد في أثره، ولا يدر أرباحًا إعلانية سريعة، مما يتطلب وجود كيانات وضخًا مؤسسيًا كبيرا تدعمه دول أو مؤسسات كبرى مثل شركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
وأشار إلى تحدي تحري الدقة والتحقيق في الأعمال الوطنية والتاريخية، حيث يجب تدقيق المعلومة، مضاهاة الوثائق، وتوفيق شهادات الرواة والمؤرخين والخبراء الاستراتيجيين لتجنب أي تناقضات زمنية أو موضوعية.
ويضيف كذلك تحدي بناء الكوادر البشرية، مشيرًا إلى صعوبة استقطاب وبناء الكادر الوثائقي المؤهل؛ نظرًا لأن المخرجات الأكاديمية والجامعية الحالية تعاني من ضعف شديد، مما يتطلب وقتًا طويلاً لاختيار عناصر تمتلك حدًا معقولًا من حب القراءة والبحث والتدقيق ثم تدريبها وتأهيلها، على مستوى المحتوى والصورة.
كيف يمكن الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي في صناعة الفيلم الوثائقي.. هل ترونه يخدم الصناعة أم يهددها؟
بيّن سعيد أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت مغرية جدًا أداة واقعية وفرضت نفسها لتوفير الوقت في عمليات البحث الأرشيفي الممتد عبر المكتبات العالمية والأرشيفات الدولية (مثل الأرشيف البريطاني ومكتبة الكونجرس)، مؤكدًا أن تلك التقنيات باتت أمرًا واقعًا لا يمكن النظر إليه دون التعامل معه والاستفادة منه، مشددًا على حظر التعامل مع هذه الأدوات بركود أو كحقيقة مطلقة دون مراجعة وتدقيق موثوق، وينبغي أن يكون التعامل معها في الفيلم الوثائقي طفيف وعاقل، كما فرض ذلك فرض معيارًا أخلاقيًا يقتضي ضرورة الإفصاح والتوضيح الصريح على الشاشة (بوضع إشارة AI) في حال استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد أو دعم أو تصحيح أي صورة داخل العمل الوثائقي؛ حفاظًا على المصداقية والشرعية التوثيقية.
وفي نهاية الحوار أكد المخرج شريف سعيد، رئيس قطاع الإنتاج الوثائقي بشركة المتحدة للخدمات الإعلامية، أهمية العمل على الاستمرار في إنتاج الأعمال التي تحفظ التاريخ المصري وتخاطب عقول الشباب والأجيال الجديدة، معربًا عن تقديره لمنصة كلمتنا وللقائمين عليها.












