إبداعات كلمتنا| “نورا.. شويكار”

وجه عابس ونظرة ثابتة مُحدقة نحو ساعة الحائط الكبيرة شديدة القدم المعلقة بمنتصف الجدار أمام فراشه، عقرب الثوان لا يعمل منذ سنوات، فقط عقربي الساعة والدقائق يعملا ولا يشعر بحركتهما البطيئة رغم تحديقه المستمر، إعتاد عليها هكذا ولم يفكر أبدًا في تصليحها أو إستبدالها بآخرى جديدة،
بعد طول إنتظار سمع صوت الساعة المختنق المتقطع بسبب قرب نفاذ شحنة البطاريات يشير إلى الثامنة صباحًا، مد يده تحت وسادته وأمسك بزجاجة البرڤان الأصلية ونثر منها حول رقبته وفوق الوسادة وأغلقها ثم عاد وفتحها ونثر منها فوق الفراش، دقائق ويسمع صوت فتح باب الشقة، للباب صرير مسموع لم يكن يعرف بوجوده لولا تعرضه لكسر في ساقه وبقاءه في فراشه لثلاث أسابيع دون حركة وفق تعليمات الطبيب،
الثامنة وربع وصرير الباب يُعلن وصول هناء، ممرضة ثلاثينية ذات ملامح غاية في الندرة، بشرة قمحية تميل للسمار بأعين خضراء، شفاة عريضة تحيطها غمازتين وعندما تبتسم تنقل له عدوى البهجة والتفاؤل رغم كل ما يشعر به من وحدة وملل، منذ وقوع الحادث وتعثره فوق درجات سلم الشركة وإلتواء ساقه وإصابته بالكسر وهو لا يغادر شقته، بل لا يغادر غرفة نومه إلا بمساعدة هناء في رحلات قصيرة لحمام الغرفة الخاص،
غرفته مثل باقي شقته، أثاث غالي الثمن خالي من الجمال، الثمن المرتفع وحده لا يصنع الجمال، شقته بالكامل بلا روح فقط تفحص مجموعة من الصور وبعدها إنتقى قطع الأثاث وتم فرشها وفق رؤية عمال المعرض بعد التوصيل، الشئ الوحيد الذي فعله بنفسه هو تعليق صورة كبيرة في غرفته على جدارها الأيمن للممثلة نورا وأخرى بنفس الحجم على الجدار الأيسر للممثلة شويكار،
منذ قبول هناء عرض عملها معه ورعايته وهى تشعر بدهشة كبيرة لوجود الصورتين في غرفة نوم أمجد بيه صاحب شركة المقاولات التي يعمل بها والدها وهو بنفسه من قدم لها فرصة العمل القصيرة المدة حتى يتعافي أمجد بيه، أخبرها والدها أن الأستاذ أمجد رجل صاحب سمعة طيبة وأنه كما يقال “مقطوع من شجرة” لا زوجة ولا أبناء ولا أخوة ولا حتى أقارب، رغم أنه تخطى الخامسة والأربعين من عمره إلا أنه لم يتزوج ولا مرة واحدة طيلة حياته، حياة جافة لا شئ فيها غير عمله المستمر وكأن في رقبته كوم من اللحم،
ككل صباح دخلت المطبخ وحضرت له كوب كبير من الشاي الخفيف سكر زيادة وقطعة كبيرة من كيك البرتقال وكوب من الماء المثلج ثم ذهبت لغرفته وإبتسامتها تؤكد وجود غمازاتيها بمنتصف وجنتيها، وضعت صينية الفطار أمامه وجلست على المقعد بجواره وهى تستلم ككل صباح للنظر مرة يمينًا نحو صورة نورا ومرة يسارًا نحو صورة شويكار، بشرتهم البيضاء ووجوهم المستديرة على نقيض ملامحها بالكلية، هى صاحبة وجه مستطيل وأنف رفيع دقيق دون طول منفر وذقن رفيعة، ملامح حائرة بين وجوه ملكات مصر القديمة ووجوه الإيطاليات أصحاب البشرة القمحية،
أحرجته نظراتها نحو الصورتين وخشي أن تظنه مراهقًا يهتم بتعليق صور الممثلات الفاتنات في غرفة نومه، في إحدى رحلاتها البصرية بين الجدارين تلاقت أعينهم ووضح السؤال ووجبت الإجابة،
إكتسى وجهة بحمرة خجل غريبة على ملامحه الغارقة في ملامح تقدم العمر بوجود الشعيرات البيضاء المتناثرة في لحيته القصيرة الخفيفة ومقدمة شعر رأسه، مر أسبوع على حيرتها ورغبتها في معرفة سر الصورتين،
أشعل سيجارة ونظر نحو صورة نورا وتحدث بصوت خفيض غارق في الشجن، ملامحها مطابقة لملامح أمه الراحلة، ماتت وعمره خمس سنوات وبالكاد يتذكر ملامحها في ظل فشله في إيجاد أي صورة فوتوغرافية لها، بعد أن شب وجد ملامح أمه الباهتة في عقله في ملامح نورا، تتبع أخبارها حتى إعتزلت وشاهد كل أفلامها وكل مسلسلاتها حتى النادر منها المفقود دون سبب وجيه،
أما شويكار فتشبه سيدة طيبة قابلها مرة وهو إبن الثانية عشر عندما تاه من يد والده في زحام محطة القطار وظل يبكي بفزع حتى أمسكت بيده بعطف كبير وظلت معه تهدئه حتى وجده والده، حفظ ملامحها وأحبها وأحب حنانها وعطفها ووجد في ملامح شويكار صورة موازية لملامح وجهها وهى تحاول تهدئته وإشعار بالإطمئنان،
رغم دهشة هناء من قصته وإستغرابها إلا أنها لم تجد ما تقوله حتى بأبسط تعليق، فقط أهدته إبتسامة أوسع وعمق أكبر لغمازتيها، المكسب الوحيد أنه وجد الفرصة المناسبة لسؤالها عن قصتها،
شردت وزفرت برقة وقصت عليه قصتها، قصة طويلة ممتلئة بالمنحيات والمنعطفات والأزمات لكنها بدون صور معلقة فوق جدران غرفة نومها الصغيرة هى وطفليها في مسكن والدها المتواضع، سمعها وسمعته وكثرت قصصهم ورغبتهم في سردها وهم مثل ساعة الحائط صاحبة عقرب الثوان المعطل والمتوقف عن العمل،
إنتهت فترة العلاج وعادت له قدرته على المشي بمساعدة عكاز من المعدن، وإحتفل بعودة قدرته على الحركة بزيارة لمسكن هناء ووالدها وبعدها ببضعة أسابيع كان الجدار الرابع في غرفته يُزين بصورة أكبر في الحجم من صورتي نورا وشويكار لهناء بفستان أبيض وبجوارها أمجد ببدلة أنيقة سوداء مبتسمًا بلا غمازات.



