كلمة ورد غطاها| الذكاء الأرشيفي: ذاكرة تتنفس

لدي خبرة لا بأس بها في مجال الأرشفة والفهرسة، ولكن لا أدعي العلم الكامل أو أنني باحث متخصص في هذا، ولا أدّعي ذلك. لكن فكرة “الذكاء الأرشيفي” لفتت انتباهي مؤخرًا وأنا أتابع كيف أن بعض المؤسسات والأشخاص يمتلكون قدرة عجيبة على الرجوع إلى الماضي، ليس من أجل الحنين أو التفاخر، بل من أجل اتخاذ قرارات أكثر حكمة في الحاضر. وربما أعاد الذكاء الاصطناعي إظهار أهمية هذا المجال، وظهرت ثماره وفوائده.
فالذكاء الأرشيفي (Archival Intelligence) ببساطة هو القدرة على استخدام المعلومات الأرشيفية القديمة بوعي وفطنة لتحليل الحاضر وفهمه، وربما التنبؤ بالمستقبل. فهو ليس مجرد تخزين للمعلومات أو الاحتفاظ بالوثائق، بل هو مهارة في التنقيب، الربط، التفسير، والاستخدام العملي لما هو مخزّن.
الذكاء الأرشيفي لا يعني أن نعيش أسرى للماضي، بل أن نحسن قراءته ليخدمنا الآن وفي المستقبل. فعلى سبيل المثال، في مجال السياسة نجد أن الكثير من الدول تلجأ إلى أرشيفها لفهم جذور النزاعات أو حل مشكلات عالقة. مثلًا، النزاعات الحدودية بين الدول يتم أحيانًا حلها بناءً على خرائط قديمة، اتفاقيات أرشيفية، أو حتى مذكرات تاريخية مهملة في الأدراج، كما أن مراجعة الأحداث السابقة تمكّن الدول من رسم أسلوب لمستقبلها السياسي داخليًا وخارجيًا أيضًا.
أما في الصحافة، فنجد أن الصحفي الذكي ليس فقط من يلاحق الأخبار العاجلة، بل من يحسن التنقيب في الأرشيف لربط حدث اليوم بسياق تاريخي. قد تكون قصة منشورة قبل 20 أو 30 عامًا هي مفتاح لفهم قضية سياسية اليوم. فمن يمتلك أرشيفًا حيًا يمتلك قوة إضافية على مائدة النقاش، ولنا في الراحل محمد حسنين هيكل المثل والنموذج.
ولا أزيد إن تطرقت إلى المجال الطبي، فالأطباء والباحثون يعودون أحيانًا إلى سجلات طبية قديمة لفهم انتشار بعض الأمراض أو تأثير الأدوية على مدى زمني طويل. ومن الأمثلة الحاضرة ما حدث أثناء جائحة كورونا حين لجأ العلماء إلى أرشيف الأوبئة السابقة، مثل الإنفلونزا الإسبانية، لتحليل أنماط الانتشار والاستجابة.
أما في مجال الأعمال والشركات، نجد أن الشركات الكبرى تحتفظ بأرشيف تفصيلي لبياناتها. وعندما تواجه مشكلة في المبيعات مثلًا، قد تعود إلى أنماط الشراء خلال سنوات ماضية لفهم تغيرات السوق وسلوك العملاء. كما نجد أن بعض الشركات تسترجع حملات تسويقية قديمة ناجحة لتعيد توظيفها بشكل محدث. وفي المجال الرياضي، الأكثر جدلًا دائمًا، نجد أن المدربين الكبار يعتمدون على الذكاء الأرشيفي حين يعودون إلى مباريات سابقة لتحليل أداء اللاعبين أو الخطط التي نجحت ضد فريق بعينه.
ولا يقتصر الأمر على الدول والمؤسسات وحسب، بل حتى على مستوى الأفراد، هناك من يمتلك “ذاكرة أرشيفية” قوية، يتذكر تفاصيل قديمة ويستخدمها لفهم تصرفات الناس، أو يعيد تحليل المواقف بعد مرور الزمن ليكتشف ما لم يكن واضحًا حينها. فالفرق بين شخص يمتلك ذكاءً أرشيفيًا وشخص مجرد “حافظ” للتواريخ والمعلومات، أن الأول يعرف متى وأين وكيف يستخدم تلك المعلومات، بينما الثاني يخزنها كقطع ديكور مهملة على الرف أو أكواب داخل النيش. فالذكاء الأرشيفي هو أن تعرف أن ما يبدو قديمًا قد يكون المفتاح لفهم ما هو قادم. وفي زمن السرعة والضجيج الرقمي، نجد أننا في أمس الحاجة إلى أن نعيد احترام الأرشيف، ليس كغرفة مغلقة، بل كذاكرة تتنفس.




