إبداعات كلمتنا| “الست نعمة”

إصطف رجال الحارة أمام سرادق عزاء المعلم مدبولي في صمت وحزن ظاهري واضح للأعين، راسمين على وجوههم علامات التأثر حزنًا على موت الرجل المفاجئ لهم بسبب حادث ينتمي لدنيا العبث وسخرية القدر، المعلم مدبولي صاحب الجسد الضخم والملامح الغليظة القوية والشارب الملائم لقدمي الصقر، مات تحت عجلات حنطور فلت لجام حصانه، وقع على ظهره وتبدلت ملامح القوة والتحدي بعلامات الخوف والفزع في لمح البصر وأكد لهم طبيب الناحية أن المعلم مات إثر سكتة قلبية نتيجة “الخضة” لا من وقوف الحصان بقدميه فوق كرشه العملاق..
أقنعة الحزن فوق وجوه رجال الحارة أخفت ما يدور بداخل صدورهم، الكل يفكر في شئ واحد فقط، الست نعمة التي حصلت لتوها على لقب أرملة المعلم مدبولي، نجاة أجمل نساء الحارة والحي والجيهة برمتها، وجه مستدير كالقمر وأعين واسعة كمصابيح الحارة ليلًا وشفاة عندما تتحرك للحديث تُشعرك بدوار وإحساس بفقدان القدرة على الثبات والإتزان.
تركة المعلم كبيرة ومغرية وقد ترك تجارة ورثها عن جده وأبوه وبيت هو الأكبر في الحارة ولكن أهم ما في تركته أرملة بطعم الفراولة ورائحة التفاح ولمعة البرقوق، نجاة التي لم يعرفها أحد قبل أن يحضرها مدبولي يوم زفافهم فوق جمل مزين بالأعلام ومن حينها أصبحت أمنية كل ذكور الحارة ومصدر تعاسة نساءها على قلة جمالهم، عند خروجها من باب بيتها تتجمد الأجساد ويعم الصمت وتتحول الحارة من صخبها وضجيجها للوحة زيتية صماء لا حركة فيها ولا صوت غير صوت دقات قلوب الناظرين من الرجال ومصمصة الشفاة بحقد وحسد من النساء..
صوت الشيخ سالم ملأ سماء الحارة ووصل لمسامع نجاة المتشحة بالسواد وسط كومة من نساء الحارة الخائفات مما هو قادم، بلا شك الكل سيحاول أن يحل محل المعلم المقتول من الفزع، فاتنة يتمناها الحي والميت والأنس والجن والطير والجماد وثروة هائلة وتجارة لا يملك مثلها أيًا منهم، أزمة كبيرة وقعت بها الحارة وعاصفة مرتقبة لن يستطيع أحد منعها أو صدها، إرث المعلم كله لأرملته وصغيرتين فقط، المال والجمال أصبحا مجتمعان ببيت المعلم وسيطاله واحد فقط، واحد فقط سينال إرث المعلم ويحظى بالست نعمة ويغرق في النعمة..
ستة أشهر ولم تتوقف طلبات الزواج ونعمة لا تجاوب بالرفض أو القبول، فقط كلما تلقت عرض لوت فمها وترحمت على المعلم، متابعة تجارة زوجها أمر شاق ومتعب ومرهق ولكن تكمن صعوبتها في صد محاولات التقرب منها والتودد لها وتلك الإبتسامات العشوائية والنظرات اللاهثة كأنها سياط فوق جسدها تذكرها بأنها أنثى فوق طبق فضي لامع فوق طاولة طعام تنتظر أن يلتهمها فم جائع أعياه الجوع والإنتظار..
لولا وجود خاطر صبي المعلم لما إستطاعت أن تدير تجارة بناتها وأن تحافظ على مالهم، شاب ذكي مشتعل الحماس وكثيرًا ما أخبرها المعلم من قبل أنه ونعم الأمانة والإخلاص وأنه لو كان له ولد لما تمنى أن يصبح خيرًا من ذلك الأمين المخلص، كلما طرق بابها أحد الراغبين في الزواج منها يخبرها خاطر بكل شئ يعرفه عنه بدقة تامة وفي النهاية في كل مرة يختم كلامه بجملة واحدة ثابتة ومقتضبة “ولكنه لا يملك ربع ثروة وتجارة المعلم مدبولي” ويبتسم براحة عندما يسمع رفضها ويرى نظرات الإستياء فوق ملامحها..
نظرات نساء الحارة أصبحت حادة محدقة وكأن نعمة باتت تمثل لهم ضياع الزوج والإستبدال بمن لا تُنافس، حتى أن إحداهن إنفجرت ذات مرة بوجه جارتها وصاحت “وقوع البلا ولا إنتظاره” ليتها تتزوج من أيًا منهم ونرتاح من مخاوفنا وقلقنا الدائم، الكل تجنبها وندرت الزيارات وأصبحت معزولة محاطة فقط بنظرات أصابتها بالإعياء والضيق، حتى تجرأ خاطر ذات مرة وهمس لها بأن تذهب للشيخ سالم وتطلب منه حجاب يمنع عنها الأذى ويحميها من حسد مفتقرات الثروة والجمال، سمعة الشيخ سالم مهولة وأغلب نساء الحارة يحكون عنه قصص تشبه الحواديت والأساطير، زيارته وطلب مساعدته لا ضرر فيها وباتت ضرورة مُلحة، عزمت أمرها وطرقت بابه وجلست أمامه بأعين خجلة وزائغة وقصت عليه كل ما حدث لها منذ رحيل المعلم، غلبها البكاء وانسالت الدموع كحبات لؤلؤ على وجنتيها في مشهد جعل الشيخ يتلعثم ويتمتم دون أن تسمعه “معهم حق”..
سألها لماذا لا تستجيب لسُنة الحياة وقوانينها وتقبل بأحد العرسان وتتزوج وترتاح من نظرات النساء وألسنتهم وتجد من يرعى مالها ومال بنتيها ويحميها مِن كل مَن في قلبه طمع، تركت لسانها يتحدث بلا خجل أو خوف وأنها لازالت تحمل بقلبها الحب للمعلم ولا تتخيل نفسها زوجة لغيره، سمعها بإنصات ثم همس لها أن الزهور إن لم تُقطف تذبل وتموت ثم وهبها حجاب مخصوص وأكد لها أنه كفيل بحفظها وحمايتها..
وضعت الحجاب في صدرها وخرجت ونصيحته الأخيرة تدور داخل رأسها، بلا مقدمات ستغادر ملامح المعلم عقلك وتحل محلها ملامح آخر وحينها لا تعاندي الأقدار..
بعض الطامعين في تجارة المعلم مدبولي قرروا أن يجهزوا على أرملته ويستحوذوا على تجارته وبضائعه بطريقة خبيثة موقنين أنها فرصة لن تطول قبل أن تتزوج نعمة ويجدوا من يقف لهم ويدافع عن مالها وتجارتها، أحاطوها وضيقوا عليها الخناق وكادت تضعف وتستسلم ويضيع كل شئ حتى تفاجئت بخاطر يتحول لوحش شرس ويقف لهم بشجاعة ويتصدى لخطتهم وينجح في الإفلات بتجارة مدبولي من قبضتهم الطامعة وبعد نجاحه ونجاتها هرولت نحو بيت الشيخ سالم لتقدم له الشكر والعرفان وهى موقنة أن السر في نجاتها يرجع للحجاب..
سمع الشيخ سالم ما حدث ثم إبتسم وفطن أن الرأس التي تحمل كل هذا الجمال وتلك الفتنة لم يتبقى بها موضع لحمل الفطنة والذكاء، إقترب منها حد التلاصق وهمس لها أنها بحاجة أن تظل في حماية أحجبته ولا طريق لذلك غير الزواج منه ووجودها بين ذراعي صانع الأحجبة..
ثلاث ليال لم تغادر بيتها ولم تقبل حتى أن تقابل خاطر وهو يمر عليها كل ليلة ليسليمها ما جمعه من نقود حتى أنهكه الخوف عليه وقرر أن يعرض عليها الزواج فور أن تقابله بعد أن أثبت لها ذكاءه وقدرته على حمايتها وحماية ثروتها..
في اليوم الرابع وجدها تستقبله بوجه مشرق وإبتسامة واسعة وقبل أن يفتح فمه بحرف صاحت فيه بخجل واضح، إذهب للشيخ سالم وأخبره أني قبلت عرضه بالزاوج.




