كاتب ومقال

كلمة ورد غطاها| يوم بلا شاشات.. الفلسفة والهدف

إنه يوم الخامس والعشرين من سبتمبر، ذلك اليوم الذي اختارته الأستاذة الدكتورة منى الحديدي، أستاذ الإعلام وعضو المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وعضو المجلس الأعلى للثقافة، لإطلاق مبادرة “يوم بلا شاشات”. والمبادرة ببساطة هي أن نقوم جميعًا أو نحاول الامتناع عن استخدام شاشات الهواتف الذكية أو الحواسب الآلية في هذا اليوم، وما تحمله من تطبيقات مرهقة، وعلى رأسها تطبيقات شبكات التواصل الاجتماعي.

للوهلة الأولى، قد تبدو الفكرة بسيطة، لكن وراءها فلسفة عميقة تستحق الوقوف عندها. فالمبادرة تضعنا أمام سؤال جوهري وتحدٍ كبير: هل ما زلنا قادرين على العيش بعيدًا عن تلك الشاشات، أم أن الأمر تجاوز مرحلة الاعتياد حتى أصبح إدمانًا صريحًا لا فكاك منه؟ الفكرة إذا ليست مجرد راحة عابرة أو تجربة مؤقتة، بل هي اختبار لمدى استقلاليتنا أمام أدوات باتت تتحكم في وعينا ووقتنا ومزاجنا.

فلسفة “يوم بلا شاشات” تقوم على إعادة الاتصال، ولكن ليس بالعالم الرقمي، بل بالذات وبالعالم الواقعي. فاليوم الخالي من الشاشات يمنحنا فرصة لنسمع ما خفت صوته وسط ضجيج الإشعارات والرسائل، حديث صادق مع شخص قريب، أو لحظة تأمل صافية للطبيعة، أو حتى قراءة هادئة لكتاب لطيف. المبادرة إذا لا تُعادي التكنولوجيا، وإنما تسعى إلى إعادتها إلى حجمها الطبيعي كوسيلة في خدمة الإنسان، لا غاية تستنزفه.

من زاوية فلسفية أخرى، تطرح المبادرة إشكالية مفهوم الحرية في العصر الرقمي. فالحرية الحقيقية ليست في القدرة على استخدام التكنولوجيا في أي وقت نشاء، بل في القدرة على الاستغناء عنها حين نقرر. الامتناع ليوم واحد يصبح إعلانًا رمزيًا أننا ما زلنا نملك زمام السيطرة، وأننا لسنا أسرى لإدمان رقمي يقودنا دون وعي.

للمبادرة أيضًا بعد اجتماعي؛ ففي زمن اتسعت فيه مساحات التواصل الافتراضي، ضاق الحيز المخصص للتواصل الإنساني المباشر. والحقيقة أن المبادرة ليست وصاية ولا فرضًا، بل تجربة حرة، دعوة للتأمل والمراجعة. قد لا يغير اليوم الواحد العالم، لكنه قد يغير في داخلنا شيئًا صغيرًا يفتح بابًا نحو التوازن، ويعيد ترتيب علاقتنا بعالم حقيقي ما زال موجودًا، ينتظر فقط أن نمنحه فرصة، فرصة بسيطة كنا نحيا فيها لسنوات وسنوات قبل هذا الهجوم التكنولوجي المرعب، ولم نكن نقدرها حق قدرها.

أعرف وأنا متخصص في التكنولوجيا أن الأمر قد يكون صعبًا، ولكنه ليس مستحيلًا. فبالنظر إلى ما آل إليه الأمر من تفسخ للعلاقات واكتئاب وضيق وتوتر ونعكير للذهن، قد تكون المبادرة هي الفرصة، فرصة لإعادة التوازن للحياة مرة أخرى. ولنتذكر جميعًا كيف أثر علينا الإفراط في التكنولوجيا، وخاصة شبكات التواصل الاجتماعي؛ فالوقت يمر والتوتر يزيد والتركيز يضيع والذاكرة تنكمش والسعادة تضيع والإبداع يتوارى والإحساس والإنسانية أيضًا.

وأنصح من يقول إنه لا يستطيع ولن يستطيع أن يجرب، أن يجرب لعدة ساعات. ليس لازمًا عليه أن ينقطع اليوم كله، ولكن يحاول أن ينقطع أطول وقت ممكن من اليوم، تمامًا مثل الطفل الصغير الذي يتعلم الصيام لأول مرة. ليس مطلوبًا منه أن يصل إلى حافة الموت لبلوغ المغرب، ولكن عليه أن يتعود، وتدريجيًا سيصل إلى الوقت المحدد بلا مشقة. وفي حالة الامتناع عن الشاشات، سيجد أنه أصبح في حالة نفسية وذهنية وعصبية أفضل، وأن شيئًا لم يفوته مما يدور داخل هذا العالم الرقمي، بل على العكس، سيعيد اكتشاف ذاته والعالم من حوله.

بقلم
المهندس زياد عبد التواب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى