كاتب ومقال

«ميزان الجمال» حكاية اللون في الشعر والذاكرة الشعبية

بقلم: سمر مرسي

لم يكن اللون يومًا مجرد صفة جسدية عابرة، بل تحوّل عبر التاريخ إلى شفرة ثقافية تحمل دلالات الجمال والمكانة والتراتبية الاجتماعية.
وفي الأدب العربي، لم تكن السمراء ملامح عابرة في القصيدة،بل شخصية حاضرة بقوة في الخيال الشعري؛ فقد تغنّى الشعراء بعيونها الداكنة وببشرتها التي تحمل دفء الأرض وعمق الهوية، وصوّروها رمزًا للجاذبية الشرقية والغموض الآسر.

ومع ذلك، لم يكن هذا الحضور احتفاءً مطلقًا. فبين سطور النصوص الأدبية تسللت إشارات ضمنية وأحيانًا صريحة تعكس تفضيلًا للبياض بوصفه معيارًا متخيّلًا للرقة والكمال.
ومع مرور الزمن تشكّل خطاب لغوي وثقافي جعل من اللون ميزانًا للحسن، بدل أن يكون مجرد تنوع طبيعي في ملامح البشر.

وتوضح دراسات في الأدب والثقافة العربية أن التصورات الجمالية المرتبطة بلون البشرة كثيرًا ما تعكس تحولات اجتماعية وثقافية أكثر مما تعكس حقيقة بيولوجية أو معيارًا ثابتًا للجمال.

في التراث العربي تباينت النظرة الجمالية إلى اللون بين اتجاهين واضحين. الأول احتفى بالسمار ورآه علامة فتنة ووقار، وربطه بالأصالة الشرقية وبالغموض الذي يضفي على الملامح سحرًا خاصًا.
أما الاتجاه الآخر فمال إلى تفضيل البياض، متأثرًا بسياقات اجتماعية وطبقية قديمة ربطت بين لون البشرة ونمط الحياة؛ فالبياض كان يُنظر إليه أحيانًا بوصفه دلالة على حياة مترفة بعيدة عن الشمس والعمل الشاق، بينما ارتبط السمار بصورة
الحياة في الحقول والبوادي.

لذلك لم تكن الصور الجمالية في الأدب ثابتة، بل كانت مرآة للمجتمع تتغير مع تغير الظروف والتجارب الثقافية.

هذا الحضور لم يقتصر على الشعر القديم، بل انتقل إلى الفنون الحديثة أيضًا. ففي الأغنية العربية المعاصرة ظل وصف السمراء حاضرًا بوصفه رمزًا للحيوية والدفء الشرقي، وأصبحت كلمة «سمراء» في كثير من الأعمال الفنية مرادفًا للجاذبية والطاقة والحضور القوي.

ومع ذلك بقيت المقارنة التقليدية بين الأبيض والأسمر تظهر أحيانًا في بعض النصوص الغنائية، وهو ما يعكس استمرار الصراع في الوعي الشعبي بين ما اعتاده المجتمع وما يراه مثالًا للجمال.

وإذا كان الشعر والأغنية يمثلان التعبير الفني عن الذوق، فإن الأمثال الشعبية تكشف البنية العميقة للوعي الجمعي. ففي اللغة اليومية تتسلل تعبيرات تبدو عفوية لكنها تحمل أحكامًا مسبقة حول اللون والجمال.

وهنا تتحول اللغة من مجرد أداة وصف إلى أداة تشكيل للمعايير الاجتماعية، فتغرس بعض التصورات في الذاكرة الشعبية حتى تبدو وكأنها حقائق مسلّم بها. وتشير دراسات في علم الاجتماع الثقافي إلى أن مثل هذه الصور النمطية المرتبطة باللون تُبنى تاريخيًا عبر اللغة والتقاليد الشعبية أكثر مما تُبنى على أسس علمية.

إن استعادة المعنى الحقيقي للجمال تبدأ من إعادة النظر في القاموس الذهني الذي نحمله عن الألوان والملامح. فالبشرة ليست معيارًا للمفاضلة، بل نتيجة طبيعية لتنوع بشري واسع يرتبط بعوامل وراثية وبيئية. ويؤكد علماء الأحياء أن اختلاف ألوان البشرة يعود أساسًا إلى اختلاف مستويات وآليات بيولوجية تساعد الإنسان على التكيف مع البيئة وأشعة الشمس.

ومن هنا يصبح الجمال مفهومًا أوسع من أي تصنيف لوني. فالسمار ليس بديلًا عن البياض، والبياض ليس تكملة للسمار، بل كلاهما جزء من لوحة إنسانية واسعة تتعدد ألوانها وتتنوع ملامحها.

إن قراءة التراث بعين نقدية لا تعني رفضه، بل تعني فهمه وتحرير مفاهيمه من القوالب الجامدة، لأن الجمال الحقيقي لا يقاس بلون واحد، بل يتجلى في تنوع الألوان التي تشكّل معًا صورة الحياة في ثرائها وعمقها الإنساني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى