روايات عالمية| عن رواية موبي دك أو الحوت الأبيض لهيرمان ملفيل

موبي دك او الحوت الأبيض واحدة من اهم الروايات العالمية، كتبها الأميركي هرمان ملفيل (Herman Melville)
وقد نشرها عام 1851 تحت عنوان موبي دك او الحوت واشتهرت عالميا باسم الحوت الأبيض (وهو نوع من الحيتان النادرة) Moby-Dick; or, The Whale.
أما لماذا كتب هرمان ملفيل هذه الرواية، فيعود ذلك الى خبرته وشغفه بالبحر، فقد كان لملفيل خبرة مباشرة مع البحر، فقد عمل بحارا ورامياً في سفن صيد الحيتان، وشارك في رحلة صيد استمرت أشهراً في المحيط الهادئ. هذه التجربة منحته معرفة دقيقة بعالم الحيتان وصيدها، واستخدمها ليصوّر في الرواية تفاصيل واقعية عن الحياة على ظهر السفن، وعن الحيتان أنواعها وسلوكها.
إضافة إلى ذلك، استند في كتابة الرواية إلى قصة حقيقية حدثت عام 1820، عندما هاجم حوت ضخم سفينة إسيكس، مما أدى إلى غرقها ووقوع كارثة بين الناجين من الجوع والبرد والجراح، ومن بينهم الكابتن جورج بولارد الذي التقى به ملفيل في ذات الوقت.
إضافة إلى ذلك كان ملفيل شغوفا بالادب والفلسفة ويمكن القول بانه استخدم الرواية كوسيلة لاستكشاف موضوعات كبرى مثل: الإرادة البشرية مقابل قوى الطبيعة، والكتابة عن الهوس والجنون، والمقارنة بين الخير والشر، وكذلك الإيمان واللاهوت.
كما أنه أراد أيضا أن يكتب عملاً أميركياً ضخماً يضاهي أعمال شكسبير من حيث العمق الرمزي والتراجيدي، مستوحياً من الكتاب المقدس ومن أعمال شكسبير نفسه الثيمات الرئيسية لعمله الضخم الذي تجاوز مئات الصفحات.
تتناول الرواية ثلاث شخصيات رئيسية هي إسماعيل، وهو راوي القصة، شاب مفكر يبحث عن معنى للحياة في البحر، فيختلط بالبحارة من مختلف الأعراق والأديان، ويتعمق تساؤله عن الخير والشر حين يكتشف أن السفينة ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل سفينة يقودها قبطان مهووس أشبه بملك تراجيدي. آهاب، الرجل الذي أُكل الحوت ساقه من ركبته حتى أخمص قدمه، لا ينام الليل، يمشي على عكازه الحديدي ويطلب من النجوم أن تؤيده، يقرأ الكتب الدينية والفلكية ليُثبت أن الشر المتمثل في الحوت الأبيض يجب أن يُمحى من الوجود، حتى يصبح انتقامه عقيدة يُصلّي من أجلها أكثر مما يُصلّي لله. موبي ديك نفسه ليس حوتًا عاديًا، بل كائنًا يشبه كائنات الاساطير اليونانية أبيض ضخمًا يُخيف الحيتان الأخرى، جلده مُتشقق بآثار الحراب، وجبهته تبدو وكأنها تحمل نقوشًا قديمة، يظهر فجأة في الضباب كشبح، يدمر الزوارق بذيله كأنه يدافع عن كوكب آخر، حتى يصبح رمزًا للقوة الخفية التي لا يفهمها الإنسان. تتداخل هذه الشخصيات الثلاث في رحلة المحيط، حيث يتحول إسماعيل من متفرج إلى شاهد على كارثة، ويتحول آهاب من قائد إلى ضحية لعنة اختلقها بنفسه، بينما يبقى موبي ديك كما هو: لغزًا أبيض يسبح في أعماق لا تُرى.
تبدأ تفاصيل الرواية من ميناء نانتوكيت يصعد إسماعيل الشاب والهارب كويكوغ سفينة «بيكود» لصيد الحيتان، فيكتشفان أن القبطان آهاب، صاحب الساق الخشبية، لا يسعى للربح بل للانتقام من الحوت الأبيض العملاق موبي ديك الذي ابتلع ساقه. يعقد آهاب عهدًا مع الطاقم بأن أول من يرى الحوت يُمنى بذهب، ويجرّ السفينة عبر المحيطات رغم تحذيرات الربّان ستاربك. تمرّ الرحلة بلقاءات مع سفن أخرى تروي هولَ موبي ديك، فيزداد هوس آهاب ويصرّ على المطاردة رغم الأعاصير والإعياء. تُصوّر الرواية بتفاصيلها العلمية عالم الحيتان وصناعة الزيت، بينما تتصاعد المعركة الرمزية بين إرادة الإنسان وقوى الطبيعة. أخيرًا يظهر الحوت الأبيض في قلب المحيط الهادئ، فتندلع معركة مرعبة ثلاثة أيام متتالية تُبادل فيها الضربات حتى يُبتلع آهاب بحاربه، وتُحطم السفينة وتغرق. ينجو إسماعيل وحده على تابوت عائم ليروي قصة هوس دمر طاقمًا بأكمله، في عمل فني يجمع بين المغامرة البحرية والفلسفة الإنسانية، ويُجسّد صراعًا أبديًا بين العقل والجنون، والإنسان والطبيعة، والوجود والعدم.





