كاتب ومقال

«مصر الكوزموبوليتان.. سيمفونية الوجود وبوتقة الزمان»

بقلم: سمر مرسي

«السبيكة التي لا تعرف الصدأ»
بين ضفتي نيل خالد وحكايات لم تروِها كتب التاريخ كاملة، يقف المصري شامخًا كمسلة من الجرانيت، لينًا كطمي الوادي، ومحيرّا كابتسامة أبي الهول.
إن الشخصية المصرية ليست مجرد انتماء جغرافي أو بطاقة هوية، بل هي حالة شعورية استثنائية صاغتها آلاف السنين من التراكم، حتى أصبحت أشبه بقطعة موسيقية كلاسيكية، كلما تقادم عهدها ازدادت عذوبة ورنينًا.
في هذا المقال، نبحر سويًا لنستكشف كيف صُهرت هذه الشخصية في تنور الزمن لتخرج لنا بهذا الرقي الذي يشبه صالونات القاهرة في عصرها الذهبي.

حين نبحث في الجذور، نجد أنفسنا أمام عبقرية المكان التي هي سر الوجود؛ فمصر لم تكن يومًا مجرد ممر للعابرين، بل كانت دومًا «المستقر» والوجهة. هذه الوسطية الجغرافية جعلت من المصري كائنًا مرنًا بطبعه، ينساب مع المتغيرات لكنه لا يفقد جوهره أبدًا.
وتتجلى هذه العبقرية في نظرية «الأعمدة السبعة» التي صاغها المفكر ميلاد حنا؛ فنحن لسنا لونًا واحدًا، بل نحن مزيج فريد يبدأ من عمق الفجر الفرعوني، ويمر بالحقبة اليونانية والرومانية، ويتزين بالروح القبطية، ويستقر في القلب الإسلامي، مع انتماءات عربية وأفريقية وحوض متوسطي.

إن الهوية المصرية ليست ثوبًا نرتديه؛ إنما معدن يزداد بريقًا كلما صهرته التجارب؛ فنحن كما وصفنا رواد التنوير، نملك عقلاً متوسطيًا يمتد بجذوره إلى حكمة الأجداد ويصافح بفكره فلسفة العالم، نأخذ من الغرب علمه ومن الشرق روحه، لنصبهما في قالب مصري خالص لا يقبل الصدأ.

هذا التعدد الحضاري تجسد بوضوح في «أيقونة المرأة المصرية»، التي تظهر في أرشيفنا كالحارس الأمين لهذه الأعمدة السبعة. فلو تأملنا صورها في منتصف القرن الماضي، سنجدها تجسد وقار الأميرات وحداثة المثقفات؛ ترتدي أحدث صيحات الموضة، لكن في عينيها يسكن كحل «نفرتيتي» الخالد، وفي صوتها حكمة الجدات اللاتي غزلن من الصبر ثيابًا.

وعلى ذكر الفن والتعايش، لا يمكننا الحديث عن مصر دون استحضار الروح «الكوزموبوليتانية» التي ميزت مدننا.

ففي ردهات الفنادق العريقة وزوايا مقاهي وسط البلد، كان الزمن يتوقف ليرسم لوحة عالمية لا تتكرر. هناك، كان «الباشا» بأناقته يتبادل الحديث مع «الخواجة» اليوناني، بينما يصدح صوت «أم كلثوم» في الخلفية ليوحد الجميع تحت راية السلطنة والطرب.
لم تكن مصر وقتها مجرد إحداثيات على الخريطة، بل كانت «صالوناً عالميًا» مفتوحًا، يمتزج فيه رنين اللغة الإيطالية بلكنة الشوام وعراقة العامية المصرية. هذه الروح المنفتحة لم تكن ضعفًا، بل كانت «ثقة حضارية»؛ فالمصري يمتلك من القوة ما يجعله «يمصر» كل ما يطرأ عليه، فيذوب الغريب في عشق النيل، ويصبح مع الوقت جزءًا أصيلاً من ملامح الوجه المصري الصبور.

إن ذكاء الشخصية المصرية يكمن في ذلك الخيال المبدع الذي حول المحن إلى نكات، والصعاب إلى صروح من الفن والأدب. نحن شعب يعيش الحاضر بعيون التاريخ، ويستشرف المستقبل بروح الفنان المتمرد.

وفي هذا الفضاء الواسع، ستظل مصر هي «البوصلة» التي تشير دائمًا نحو الجمال والتحضر، وهي البيت الذي يتسع للجميع دون أن يفقد هويته.

تعظيم سلام للشخصية المصرية التي ستظل هي تلك السيمفونية التي تعزف على أوتار الزمان ببراعة، وتدرك أن البقاء ليس للأقوى، بل للأبقى أثرًا وحضارة وإنسانية.
وستظل مصر حيث العالم الذي يقتبس منا معنى الحياة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى