
ثمة لحظات في تاريخ الشعوب تتوقف فيها الساعات، لا لأن الوقت تجمد، بل لأن ما يحدث على الشاشة يستحق أن يُعاش بكل الحواس. في قاهرة المعز، كانت تلك اللحظة هي التسعينيات؛ العقد الذي تحول فيه شهر رمضان إلى
احتفالية فنية قومية.
لم يكن التلفزيون حينها مجرد صندوقًا خشبيًا في زاوية الغرفة، بل كان العمدة، والمؤرخ، والصديق الذي يجمع العائلة في طقس سحري تخلو معه الشوارع، وتتحد فيه القلوب أمام شاشة واحدة، صاغها مبدعون عرفوا كيف يترجمون نبض الشارع إلى أساطير تعيش للأبد.
• فلاسفة الكلمة.. جراحة الروح بالورقة والقلم..
لم تكن دراما التسعينيات وليدة الصدفة، بل كانت نتاج
عقول أدبية آمنت بأن الكلمة هي حجر الزاوية:
أسامة أنور عكاشة (عميد الدراما العربية): هو الرجل الذي لم يكتب مسلسلات، بل هوية. ففي «ليالي الحلمية» (1987) و«أرابيسك» (1994)، استطاع عكاشة أن يجعل من الحارة المصرية حلبة فكرية فلسفية، يناقش فيها ضياع الهوية والصراع الطبقي بلسان «حسن النعماني أو سليم البدري».
وحيد حامد (مشرط الجراح): كان السكين الحادة التي تفتح جراح المجتمع دون تخدير. ففي مسلسل «العائلة» (1994)، واجه وحيد حامد الإرهاب والفكر المتطرف في وقت كان فيه الصدام في ذروته، مقدماً وثيقة فنية شجاعة تتجاوز حدود الترفيه.
يسري الجندي: حارس التراث الذي مزج السيرة الشعبية بالواقع السياسي، كما في «السيرة الهلالية»، فجعل من التاريخ مرآة للحاضر.
مصطفى محرم الذي تألق في صياغة الدراما الاجتماعية التي تمس تطلعات الطبقة المتوسطة في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» (1996).
• ثانيًا: مخرجون رسموا بالضوء والظلال..
خلف الكاميرا، كانت هناك عيون لا ترى المشهد كـ «كادر»
فقط، بل كلوحة إنسانية:
• إسماعيل عبد الحافظ: «شيخ المخرجين» الذي كان ينحت الأداء التمثيلي نحتًا، هو من منحنا الروح في «العائلة» و«ليالي الحلمية».
• محمد فاضل: مهندس الدراما الواقعية الذي قدم «رحلة أبو العلا البشري» (1986) و «النوة» (1991)، متميزًا بدقة التفاصيل والرسائل التوعوية المغلفة بالفن.
• جمال عبد الحميد: الذي أعاد اكتشاف «البحث عن الهوية» والتراث في «أرابيسك» (1994)، وأبدع في تصوير القاهرة التاريخية في «زيزينيا» (1997).
في تلك فترة ذروة التسعينات الكلاسيكية، كانت الأصوات الذهبية التي زينت التترات هي علي الحجار، محمد الحلو، وحنان ماضي؛ هم من شكلوا وجداننا السمعي.
• ثالثًا: الذاكرة السمعية..
إبداع «عمر خيرت» وشجن «ياسر عبد الرحمن»..
لم تكن موسيقى التسعينيات «خلفية للصوت»، بل كانت
بطلاً يحرك المشاعر:
• عمر خيرت: صنع تواقيع موسيقية خالدة، مثل «ضمير أبلة حكمت، وجه القمر)، الذي مزج فيها بين الكلاسيكية الغربية والروح المصرية، فكانت ألحانه «شخصيات موازية»
• تحكي ما لا تستطيع الحوارات قوله.
• ياسر عبد الرحمن: عبقري الكمان الذي جعلنا نبكي بلحن في «الضوء الشارد» و«المال والبنون».
• رابعًا: السينما والمسرح.. امتداد الروح الذهبية..
في التسعينيات، لم تكن الشاشة الصغيرة وحدها المتوهجة، بل السينما أيضًا كانت تقدم واقعية بتوقيع عاطف الطيب في (دماء على الأسفلت)، وفلسفة داود عبد السيد في (الكيت كات)، وشاعرية خيري بشارة في (آيس كريم في جليم).
أما في المسرح، فكان لا يزال ينبض بضحكات لينين الرملي وكلاسيكيات مسرح الدولة التي كانت ترفع شعار «الفكر أولاً».
• ليست النوستالجيا مجرد حنين ساذج، بل هي فعل مقاومة. فنحن نعود للتسعينيات بكل هذا الحنين لأننا نبحث عن الصدق في زمن الزيف الرقمي، وعن التأني في عصر السرعة.
نعود لأن دراما ذلك الزمن لم تكن تُصنع من أجل «التريند»، بل من أجل «التاريخ»، «ذاكرة الفن» التسعينيات لم ترحل؛ إنها تسكن في كل لحن يمر بذاكرتك، وفي كل جملة حوار لـ «بشر عامر عبد الظاهر» تجدها على لسانك. هي الزمن الذهبي الذي يثبت أن الفن الحقيقي لا يشيخ، بل يزداد قيمة كلما مرت عليه السنون.



