إبداعات كلمتنا| “غدًا.. سبت الأسبوع الماضي”

مرت ساعة كاملة ويوسف على نفس وضعه لا يتحرك، جسده متحجر ولا يرمش له جفن ويجلس في صمت مطبق كأنه تمثال وهو شاخص البصر في الفراغ وبداخله صراع مهول أكبر من أن يتسعه صدره، لا شئ يتحرك في جسده غير أصابعه الممسكة بسيجارته وشفاهه التي تنفخ الدخان في غضب وسخط، أزمة حياته عصبيته وسرعة قرارته وبعدها يندم ويضرب الأرض بقدميه كالأطفال ويوبخ نفسه على تكرار خطأه في كل مواقف حياته، لو أنه تحكم في إنفعالاته وهدأ وتصرف بعد دقائق قليلة من غضبه لتغيرت أمور كثيرة في حياته، من فرط شروده لم يشعر بهذا الشخص الجالس بجواره يتأمل وجهه العابث منذ عدة دقائق، لم يشعر به أو يدرك وجوده إلا عند سماع صوته وهو يزفر،
– ياه
انتبه فجأة لجاره على نفس السور أمام ظلام النيل وتفحص ملامحه الغريبة الحادة دون كلمة وهو يشعر بتوتر من حدة نظراته نحوه حتى تحدث الجار صاحب الملامح الغريبة والصوت الرزين،
– أنت مكبر المواضيع أوي
رفع يوسف حاجبيه بدهشة مصحوبة بضيق من تدخل الرجل في أموره والتحدث معه بدون إستئذان أو سابق معرفة، لم يمهله الجار فرصة لمزيد من التفكير وقطع حبل تفكيره وأغلق الطرق كلها نحو أي قرار للمغادرة،
– ما تستغربش، أنا حاسس بيك وعارف إنك مش طايق نفسك ومن جواك بتكلم نفسك ومش مبطل شيمة
إنزعج يوسف من فضول الرجل وإبتسامته السمجة وقارب على بدء شجار معه لولا أنه شعر بشئ غريب لم يعرف له تفسيره وهو يحدق في أعين الرجل وشعر بأن قدرته على الرد والإعتراض لم تعد موجودة وصمت وهو مُعلق بصره بإبتسامة الرجل الغير مناسبة لحديثهم والغير مفهومة السبب،
– عارف يا يوسف ايه هى أكبر ورطة ممكن يقع فيها إنسان؟
لوى يوسف فمه بلا مبالاة ولم ينطق بحرف وإستطرد الجار الحديث وهو يدير وجهه عنه وينظر نحو ظلام النيل أمامهم،
– إنه يكون عصبي ومتهور ومندفع وفي نفس الوقت جبان
إبتلع يوسف الإهانة دون رد وهو يحاول فهم حديث جاره بفضول وهو يغوص في عينيه ونظراته ويشعر ببداية خدر بجسده لا يعرف سببه،
– في أسبوع مراتك خاصمتك وسابتلك البيت وأنت بتحبها ومتعلق بيها ومش متحمل الخصام، حتى صاحب عمرك إتخانقت معاه وخاصمته هو كمان
متهور ومندفع وجبان لأنك ما بتعترفش بغلط وبتستنى غيرك يصلحه ويغير نتايج تسرعك وعنجهيتك
فتح يوسف فمه من الدهشة وهو ثابت على وضعه وإكتفي فقط بالتحديق في أعين الجار المريب،
– على العموم أنا عندي الحل لمعت أعين يوسف بفرحة حقيقية وفتح فمه وهو يشعر بثقل شفتيه وبطء لسانه،
– ايه هو؟
– كل مصايبك حصلت الأسبوع اللي فات.. صح؟
– صح
– تحب تعيده؟
شعر يوسف بعدم الفهم وصمت لبرهة وهو تائه في ملامح الجار التي تزداد غرابة،
– أعيده؟.. هو ايه؟!
– الأسبوع اللي فات
– ازاي؟
– مش مهم ازاي، المهم إني أقدر أخليك تعيده وتصلح اللي بوظته، بس خد بالك، لو وافقت لازم تعرف حاجة مهمة – حاجة ايه؟
– لو عيدت الأسبوع اللي فات وغلطت تاني وخسرت، خسارتك هاتبقى أضعاف
– ازاي وليه؟!
– الغلطة المرة دي عقابها أكبر وليه، مش مهم تعرف
بس تقدر تقول إن تغيير القدر تمنه مش قليل
توتر يوسف وإرتبك بشدة وعاد برأس مرتجف ينظر نحو سواد ماء النيل، خسارته كبيرة ولا يعرف كيف حدث كل ذلك، فقط يعرف أن جاره غريب الأطوار يقول الحقيقة، خسر أشياء ما كان يجب أن يخسرها دفعة واحدة وفي خلال أسبوع واحد فقط، عرض خيالي لا يملك تحقيقه بشر لكنه قرر مجاراة الرجل ولو من باب تشتيت الإنتباه والتوقف عن التفكير في حاله بلوعة ومرارة،
– ماشي يا سيدي موافق
– متأكد؟
– أيوة متأكد
إبتسم الرجل إبتسامة عريضة ثم ربت على كتفه وتحرك بلا كلمة وتابعه يوسف بدهشة وعدم فهم حتى إختفى عن بصره، لوى فمه وإبتسم بسخرية من حديثه مع الرجل الغريب وجلس منفردًا لأزيد من ساعة لا يفعل شئ سوى تأمل الفراغ المظلم أمامه حتى قرر العودة لشقته بعد أن تركتها زوجته بعد مشاجرتهم العنيفة، بدل ملابسه ونام حتى شعر بقبلة فوق جبينه من فم زوجته وهى تداعب شعره وتوقظه برقتها المعتادة،
– إصحى بقى يا يوسف بقينا الضهر
فتح عينيه وحدق فيها بفزع وهى تتحرك وتلملم ملابسه الملاقاة على الأرض، أمسك بهاتفه وحدق في شاشته ووجد التاريخ يشير إلى سبت الأسبوع الماضي، فرك عينيه بذعر وعدم تصديق وهو يحدث نفسه بدهشة عارمة، لقد عاد الزمن للوراء وعاد الأسبوع الماضي من بدايته مرة أخرى، قام من فراشه وهو يرتعد ومضطرب وجلس في الصالة يتابع زوجته بإستنكار وإستغراب، صدق الرجل الغريب في عرضه رغم إستحالة حدوث ذلك، ولكنه بنفسه يجلس ويرى ويسمع أشياء رآها وسمعها من قبل، حتى مكالمة زوجته مع شقيقتها.. سمعها من قبل،
قرر التماسك والتوقف عن التفكير في كيف حدث ذلك والتركيز فقط على أنه حدث وأصبح بإمكانه إصلاح ما أفسد ومعالجة مصائبه قبل حدوثها، الكوارث بدأت مساء الأربعاء، عليه التماسك والصبر حتى هذا الموعد، الأيام ثقال وهو يعيش نفس ما عاشه من قبل مرة أخرى ووقع ذلك على نفسه من ملل وضيق وخوفه من تعديل أي شئ أو محاولة التغيير،
البداية مساء الأربعاء عندما طلبت منه زوجته الخروج والتنزه ومقابلة صديقه فارس وزوجته، كلهم أصدقاء منذ أيام دراستهم الجامعية، في الأسبوع الماضي رفض وحدثت مشاحنة كبيرة بينهم تحولت لمشاجرة عنيفة أعقبها قرار زوجته بترك البيت وهى تسب وتقسم أنها لم تعد تستطيع العيش معه ومع طريقته الجافة الروتينية التي أصابت قلبها بالكآبة، مشاجرتهم صنعت مشاجرة مع صديقه فارس الذي إعتبر عدم خروجهم معهم إهانة وقرر خصامه،
الأسبوع الجديد والفرصة الجديدة تطلب التصرف بشكل جديد، أعلن موافقته على الخروج ومقابلة فارس وزوجته والتنزه في المول الجديد، إلتقوا جميعًا ويوسف يبتسم بلا توقف دون سبب وهو يشعر بداخله بإنتصار كبير ونجاح الخطة الجديدة لمنع حدوث المصائب والكوارث، أثناء جولتهم إقترحت زوجة فارس الخروج والجلوس في الكافيه المقابل للمول، لم يمانع أحد وبالطبع كان أول الموافقين هو يوسف مؤكدًا لنفسه أنه لن يعترض على شئ حتى يمر اليوم بسلام ولا يخسر فرصة لا يعرف كيف حدثت ولا من أين أتت، هتفت فيه زوجته برقة ودلال،
– من فضلك يا يوسف هاتلي الجاكيت بتاعي من العربية
إبتسم لها بحنان وتحرك نحو سيارته على أن يسبقوه للكافيه، فجأة توقف في مكانه فور سماع صوت صراخ مرتفع متعدد المصادر ليلتفت ويرى سيارة نقل مسرعة يقودها سائق متهور تطيح بالثلاثة، زوجته وصديقتها وزوجها، طارت أجسادهم في الهواء ثم سقطوا على الأرض ثلاثتهم جثث بلا روح،
صرخ بهلع وهرول ووقف بين الثلاث جثث وهو على مشارف فقدان عقله ثم جثى على ركبته وهو يضم زوجته لصدره ويصرخ بلوعة ويصيح بألم بالغ،
“ياريتني رضيت بالخصام”



